ترجمه و تفسير نهج البلاغه - علامه جعفری - الصفحة ٩ - ٢ - توصيف شخصيّت الهى رسول خدا از زبان علىّ بن ابي طالب عليه السّلام
هشت - فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهر - صلَّى اللَّه عليه و آله - فإنّ فيه أسوة لمن تأسّى و عزاء لمن تعزّى . و أحبّ العباد إلى اللَّه المتأسّى بنبيّه ، و المقتصّ لأثره . قضم الدّنيا قضما ، و لم يعرها طرفا ، أهضم أهل الدّنيا كشحا ، و أخمصهم من الدّنيا بطنا ، عرضت عليه الدّنيا فأبى أن يقبلها ، و علم أنّ اللَّه سبحانه أبغض شيئا فأبغضه ، و حقّر شيئا فحقّره ، و صغّر شيئا فصغّره ، و لو لم يكن فينا إلَّا حبّنا ما أبغض اللَّه و رسوله ، و تعظيمنا ما صغّر اللَّه و رسوله ، لكفى به شقاقا للَّه ، و محادّة عن أمر اللَّه .
و لقد كان صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم يأكل على الأرض ، و يجلس جلسة العبد ، و يخصف بيده نعله و يرقع بيده ثوبه ، و يركب الحمار العارى ، و يردف خلفه ، و يكون السّتر على باب بيته فتكون فيه التّصاوير فيقول : « يا فلانة - لإحدى أزواجه - غيّبه عنّى ، فإنّى إذا نظرت إليه ذكرت الدّنيا و زخارفها » فأعرض عن الدّنيا بقلبه ، و أمات ذكرها من نفسه ، و أحبّ أن تغيب زينتها عن عينه لكيلا يتّخذ منها رياشا و لا يعتقدها قرارا ، و لا يرجو فيها مقاما ، فأخرجها من النّفس ، و أشخصها عن القلب ، و غيّبها عن البصر و كذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه و أن يذكر عنده .
و لقد كان فى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله - ما يدلَّك على مساوىء الدّنيا و عيوبها : إذ جاع فيها مع خاصّته و زويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته .
فلينظر ناظر بعقله : أكرم اللَّه محمّدا صلَّى اللَّه عليه و آله بذلك أم أهانه فإن قال : أهانه ، فقد كذب و اللَّه العظيم - بالإفك العظيم ، و إن قال : أكرمه ، فليعلم أنّ اللَّه قد أهان غيره حيث بسط الدّنيا له و زواها عن أقرب النّاس منه . فتأسّى متأسّ بنبيّه ، و اقتصّ أثره و ولج مولجه ، و إلَّا فلا يأمن الهلكة ، فإنّ اللَّه جعل محمّدا - صلَّى اللَّه عليه و آله - علما للسّاعة و مبشّرا بالجنّة ، و منذرا بالعقوبة . خرج من الدّنيا خميصا و ورد الآخرة سليما . لم يضع حجرا على حجر حتّى مضى لسبيله