ترجمه و تفسير نهج البلاغه - علامه جعفری - الصفحة ٢٤١ - بروز اعتلا و سقوط جوامع و تمدّنها و فرهنگها از ديدگاه اسلام
سبحانه جدّ الصّبر منهم على الأذى في محبّته ، و الاحتمال للمكروه من خوفه ، جعل لهم من مضائق البلاء فرجا فأبدلهم العزّ مكان الذّلّ ، و الأمن مكان الخوف ، فصاروا ملوكا حكَّاما ، و أئمّة أعلاما ، و قد بلغت الكرامة من اللَّه لهم ما لم تذهب الامال إليه بهم . فانظروا كيف كانوا حيث كانت الإملاء مجتمعة ، و الأهواء مؤتلفة ، و القلوب معتدلة ، و الأيدي مترادفة ، و السّيوف متناصرة ، و البصائر نافذة و العزائم واحدة . ألم يكونوا أربابا في أقطار الأرضين ، و ملوكا على رقاب - العالمين . فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم ، حين وقعت الفرقة و تشتّت الألفة و اختلفت الكلمة و الأفئدة ، و تشعّبوا مختلفين ، و تفرّقوا متحاربين ، قد خلع اللَّه عنهم لباس كرامته ، و سلبهم غضارة نعمته ، و بقى قصص أخبارهم فيكم عبرا للمعتبرين . فاعتبروا بحال ولد إسماعيل و بني إسحاق و بني إسرائيل عليهم السّلام . فما أشدّ اعتدال الأحوال و أقرب اشتباه الأمثال ، تأمّلوآ أمرهم في حال تشتّتهم و تفرّقهم ، ليالي كانت الأكاسرة و القياصرة أربابا لهم ، يحتازونهم عن ريف الافاق ، و بحر العراق و خضرة الدّنيا ، إلى منابت الشّيح و مهافي الرّيح و نكد المعاش ، فتركوهم عالة مساكين ، إخوان دبر و وبر ، أذلّ الأمم دارا ، و أجدبهم قرارا ، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ، و لا إلى ظلّ ألفة يعتمدون على عزّها . فالأحوال مضطربة ، و الأيديي مختلفة ، و الكثرة متفرّقة ، في بلاء أزل . و أطباق جهل من بنات موؤدة ، و أصنام معبودة ، و أرحام مقطوعة و غارات مشنونة .
فانظروا إلى مواقع نعم اللَّه عليهم ، حين بعث إليهم رسولا فعقد بملَّته طاعتهم و جمع على دعوته ألفتهم ، كيف نشرت النّعمة عليهم جناح كرامتها ، و أسالت لهم جداول نعيمها ، و التفّت الملَّة بهم في عوائد بركتها ، فأصبحوا في نعمتها غرقين ، و في خضرة عيشها فكهين . قد تربعّت الأمور بهم في ظلّ سلطان قاهر و آوتهم الحال إلى كنف عزّ غالب و تعطَّفت الأمور عليهم في ذرى ملك ثابت . فهم حكَّام على -