شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢١ - المسألة الرابعة فى اقسام العلوم النظرية
بنعوت الكمال و سمات الجلال. فأما أن يصرح بأنه سبحانه ليس متحيزا و لا حاصلا فى المكان و الجهة، فذلك مما لا يجب عليه التصريح به، لأن أمثال هذه المطالب مما لا تصل اليها أفهام أكثر الخلق. فانه لو دعا الناس الى ذلك، لصار ذلك منفرا لهم عن قبول دعوته، فلا جرم وجب عليه الاكتفاء بتلك الدعوة المجملة. و أما التفاصيل الدقيقة، فيجب عليه أن لا يصرح بها، و أن يفوضها الى عقول الأذكياء من الناس.
و اذا عرفت هذا فنقول: قوله: و مبادئ هذه الأقسام التي للفلسفة النظرية مستفادة من أرباب الملة الالهية على سبيل التنبيه. فالمراد منه:
ما ذكرنا (من) أنه يجب على الشارع ارشاد الخلق الى الاقرار بالتنزيه المطلق، و الاقرار بكونه موصوفا بكل كمال و جلال. و أما قوله: و متصرف على تحصيلها بالكمال بالقوة العقلية على سبيل الحجة. فالمراد منه:
ما ذكرنا (و هو) أن هذا المباحث الدقيقة، يجب عليه أن يفوض عرفانها الى عقول الأذكياء من الخلق.
قال الشيخ: «و من أوتى استكمال نفسه بهاتين الحكمتين، و العمل مع ذلك باحداهما، فقد أوتى خيرا كثيرا»
التفسير: انه لما فسر الحكمة بمعرفة الأمور النظرية، و معرفة الأمور العملية، ذكر هاهنا: أن من وفق حتى قدر على استكمال نفسه بهذين النوعين من المعرفة، ثم وفق حتى أتى بالأعمال الموافقة على قانون الحكمة العملية «فقد أوتى خيرا كثيرا» [١٩] و هذا اللفظ انما أخذه من الكتاب الالهى. و هو قوله سبحانه: «و من يؤت الحكمة، فقد أوتى خيرا كثيرا»
[١٩] البقرة ٢٦٩، و قوله تعالى: «و اذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات اللّه و الحكمة» قال الشافعى: «فذكر اللّه الكتاب و هو القرآن، و ذكر الحكمة. فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول اللّه»-