شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩٥ - الفصل السادس فى نفى الخلاء و نفى الملاء
و أما قوله: «فلم يكن وقوعه فى ذلك الحيز الا اتفاقا» فمعناه ظاهر. لكن هذا انما يلزم لو ثبت أن جميع أجزاء الخلاء متساوية فى تمام الماهية. و قد عرفت أنه لم تتقرر هذه المقدمة بكلام يفيد شبهة، فضلا عن حجة. و أما قوله: «و الاتفاق يعرض عن أمور قبل الاتفاق تتأدى الى الاتفاق ليست باتفاق. فتكون حينئذ أمور سلفت، أدت الى تخصيص هذا الحيز» فمعناه: أن الموجبة للاحوال الاتفاقية أمور تتقدمها، و تلك الأمور لا تكون اتفاقية. و مثاله: أن انسانا خرج من بلده لغرض أن يصل الى قرية. فاتفق أن عثر فى وقت مروره على كنز. فهذا العثور اتفاقى.
و الموجب لحصوله: هو خروجه عن البلدة الى القرية. و ذلك الموجب ليس باتفاقى. فثبت: أن الأمور الاتفاقية لا بد من انتهائها عند المتصاعد الى أسباب طبيعية.
أما قوله: «فلهذا الجسم فى ذاته حيز آخر، و السؤال فيه عائد» [٩] فمعناه: أنه لو كان حصوله فى الحيز المعين اتفاقيا، فهذا يقتضى أن يحصل له حيز آخر طبيعى. لما بينا: أن الاتفاقيات مسبوقة بالأمور الطبيعية. لكن أى حيز فى الخلاء الذي لا نهاية له، لو فرض طبيعيا، فالسؤال فيه عائد بعينه.
و لقائل أن يقول: انا قد أوردنا السؤال على هذا الحرف. فانا قلنا: لم لا يجوز أن يكون الموجود من الخلاء ليس الآن القدر الذي حصل فيه العالم، و أما الخارج عنه فانه لا خلاء و لا ملاء؟ ثم و ان سلمنا أنه لا نهاية للخلاء، فلم قلتم: أن جميع أجزاء الخلاء متشابهة، فانكم ما ذكرتم عليه حجة و لا دليلا؟ ثم ان سلمنا ذلك، فلم لا يجوز أن يكون تخصيص العالم بالحيز المعين من الخلاء بتخصيص الفاعل المختار؟ ثم ان سلمنا القول بالموجب. و لكن لا نزاع (فى) أن كل واحد من هذه الأجسام الحيوانية و النباتية، مختص بحيز معين و مقدار معين و شكل معين، مع أنه كان يجوز فى العقل حصول أضدادها و معانداتها بدلا عنها. و لا جواب لكم
[٩] و السؤال على اختصاص ذلك الحيز ثابت: ع.