شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩١ - الفصل السادس فى نفى الخلاء و نفى الملاء
المقدار الذي يحصل فيه جسم العالم. و أما الخارج عنه، فلا خلاء و لا ملاء؟ و عند هذا لا يمكنكم أن تقولوا: لم حصل العالم فى هذا الجزء من الخلاء دون سائر الأجزاء؟
المقدمة الثانية: هب أنا نقول: الخلاء لا نهاية له. لكن لم قلتم: ان ذلك الخلاء متشابه الأجزاء؟ و هذه المقدمة لا بد عليها من دليل و حجة.
و ذلك لأن الخلاء موجود و يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه.
فتحصل (أن) هناك أمور ثلاثة.
أحدها: الأبعاد المفروضة فى ذلك الخلاء.
و ثانيها: كون الخلاء قابلا لتلك الأبعاد.
و ثالثها: ذات الخلاء. و هو (أن) الأمر الذي عرضت له قابلية ذات الخلاء لتلك الأبعاد. هو أيضا (من) أمور عارضة لتلك الذات، لأن قابلية الشىء للشىء: نسبة بين ذات القابل و ذات المقبول. و النسبة بين الشيئين: مغايرة لهما، و متأخرة عنهما.
فثبت: أن قابلية الأبعاد: مغايرة للذات التي عرضت لها هذه القابلية.
و اذا ثبت هذا فنقول: هب أن أجزاء الخلاء متساوية فى هذه الأبعاد، و فى قابليتها لهذه الأبعاد. لكن لم قلتم: ان تلك الأشياء التي هى الأمور المفروضة لهذه القابلية متساوية فى تمام الماهية؟ فان هذه المقدمة غير بديهية، بل لا بد فى تقريرها و تصحيحها من الحجة و البرهان. و القوم ما ذكروا فى هذا الباب خيالا، فضلا عن الحجة و البرهان.
المقدمة الثالثة: هب أنا قلنا: ان أجزاء الخلاء متساوية فى تمام الماهية، لكن لا يجوز أن يقال: الفاعل المختار خصص تحصل العالم فى بعض أجزاء الخلاء دون البعض بمجرد ارادته. و حينئذ يرجع هذا الكلام الى انه هل يعقل (أن يكون) موجودا مؤثرا بالقصد و الاختيار، بحيث يرجع أحد طرفى الممكن على الآخر؟