شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٧٤ - المسألة الثانية
الوجه الى الكمودة و الرصاصية. و أما ان كان بحيث تارة يجوز كونه قادرا على دفعه، و تارة يعتقد كونه عاجزا عن الدفع، فههنا كما اختلط فى جوهر النفس هذان الاعتقادان، فانه يختلط فى ظاهر البدن آثار الغضب و الخوف. و أما القسم الثاني. و هو أن يعتقد فى ذلك الأمر المستقبل أنه بتقدير حصوله يكون نافعا، فان لم يعتقد تجويزه متوجها اليه، فانه يحصل فى قلبه ميل جازم بأنه لا بد من تحصيله. و ذلك هو الشهوة. فان أعتقد كونه متوجها اليه حصل فى قلبه فرح و سرور و انبسط الروح القلبى الى خارج، و كل ما كان الفرح أقوى، كان ذلك الانبساط أجمل. و حينئذ يسخن البدن و يحسن لونه و تظهر آثار صلاح الحال على الوجه. هذا كله كلام فى اعتبار ما لم يدخل فى الوجود.
أما القسم الثاني: و هو اعتبار حال ما دخل فى الوجود. فذاك الشىء اما أن يعتقد فيه كونه حسنا، أو يعتقد فيه كونه قبيحا، أو لا ذاك و لا هذا. فان اعتقد فيه كونه حسنا تبعه الفرح بسبب ما يتوقع من حدوث آثاره النافعة، و ان اعتقد فيه كونه قبيحا، تبعه الحزن و انحصار دم القلب الى باطن القلب. و عند ما يعتقد أنه غير قبيح، فانه يخرج دم القلب الى ظاهر البدن. و اذا اختلط هذان الاعتقادان فى النفس، توالت الانبساطات و الانقباضات على بشرة الوجه. و ذلك هو الخجل.
فهذا هو الاشارة فى ضبط هذه الأحوال.
و اعلم: أن الفرح قد يتبعه الضحك، لما أن الحرارة توجب تمدد العضلات، و الحزن و الخوف قد يتبعهما البكاء. بسبب أن الروح اذا انحصر فى داخل القلب، استولى البرد على ظاهر البدن، و البرد يوجب التقبيض و التكثيف. و اذا استولى هذا التقبيض على جرم الدماغ، انعصر منه شىء من الرطوبات و سال الى العينين. و ذلك هو البكاء.
فهذا هو الحكم الأكثرى فى هذا الباب.
و اذا عرفت هذا فنقول: انه ما لم يحصل اعتقاد أنه خير أو شر أو نافع أو ضار، لم تحصل الرغبة و النفرة. و ما لم يحصل هذان الأمران