شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٧٠ - المسألة الثانية
بقولى «أنت» فليس الا هذا البدن. لأن المشار اليه بقولى «أنت» ليس الا ما أدركته ببصرى. و ما ذاك الا هذا الجسم المخصوص. و كذلك فان الانسان اذا مات. فالذى كان يشير الى نفسه بقوله «أنا» لم يبق. و أما الذي كنت أشير اليه بقولى «هو» فانه باق. فلهذه الدقيقة ترى العقلاء يقولون فيمن مات: أنه ما بقى و أنه هلك. و قد يقولون:
انه هو هذا الجسد الموضوع هنا. فقولهم: هلك و ما بقى، يريدون به ذلك الشىء الذي يشير الى نفسه بقوله «أنا» و قولهم هذا الجسد هو ذلك الانسان يريدون به ذلك الشىء الذي كان غيره يشير اليه بقوله «هو»
المسألة الثانية
ظاهر كلام «الشيخ» يدل على أن تسمية النفس الانسانية بالنفس الناطقة محض اللقب من غير أن يفيد فائدة معقولة. و عندى:
أنه ليس الأمر كذلك، بل هو اسم يفيد فائدة معقولة. و بيانه: أن المدرك للشىء قسمان:
أحدهما: الذي يدرك شيئا لكنه لا يمكنه أن يعرف غيره أنه أدرك ذلك الشىء. و هذا حال جميع الحيوانات العجم، فانها قد تدرك أمورا كثيرا مما يلائمها أو ينافرها. و لكنها لا يمكنها أن تعرف غيرها أحوال تلك المدركات.
و القسم الثاني: الذي يدرك شيئا ثم يمكنه أن يعرف غيره بأنه أدرك ذلك الشىء. و هذا هو الانسان. فانه اذا أدرك شيئا أمكنه أن يعرف غيره أنه أدرك ذلك الشىء، و أمكنه أيضا أن يعرف غيره أحوال ذلك المدرك. ثم ان هذا التعريف له طرق كثيرة: منها النطق و العبارة، و منها الاشارة، و منها الكتابة. الا أن أكملها هو النطق، فلا جرم جعلوا النطق عبارة عن كون الانسان قادرا على أن يعلم غيره ما فى قلبه من الأحوال المختلفة و الادراكات المتباينة. فظهر بهذا أن وصف النفس الانسانية بأنها ناطقة ليس بمحض اللقب، بل هو اسم يفيد هذه الفائدة