شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٦٣ - المسألة الثانية
و اعلم: أن هذا الكلام ضعيف أيضا. و بيانه من وجهين:
الأول: هو أن الحواس الظاهرة خمسة، و الباطنة خمسة أخرى. فيكون مجموعهما عشرة، و مع الشهوة و الغضب اثنا عشر، و مع السبعة النباتية و هى الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة و الغازية و النامية و المولدة تكون تسعة عشر. و كل ذلك أضداد و موانع للقوة العقلية عن أشغالها بتحصيل المعارف الحقيقية: التصورية و التصديقية.
اذا ثبت هذا فنقول: اذا فرضنا أن القوة العقلية جسمانية، فبعد الأربعين يضعف البدن و تضعف جميع القوى. فهب أن القوة العاقلة تضعف. لكن تضعف أيضا تلك القوى التسعة عشر التي كلها عوائق و موانع و أضداد العاقلة من أفعالها الخاصة بها. فهب أنه يضعف فعلها بسبب ضعف ذاتها و لكنه يقوى فعلها بسبب ضعف سائر أضدادها فيقابل ضعف ذاتها بضعف فقد واحد من أضدادها ضعف سائر أضدادها معينا لها على أفعالها فلم لا يجوز أن تكون قوتها بعد الأربعين لهذا السبب؟
الثاني: ان القوة العاقلة الى زمان الأربعين قد تكررت عليها الادراكات التصورية و التصديقية. و كثرة الأفعال سبب لحصول الملكة، فلم لا يجوز أن تكون زيادة قوتها على الادراكات، انما كانت بسبب حصول هذه الملكة التي ذكرناها؟
الوجه الثالث: ان الحرص و الأمل يقوى كل واحد منها فى زمان الشيخوخة. مع أنهما يتعلقان بالادراكات الجزئية. و الادراكات الجزئية هى عندكم جسمانية.
الوجه الرابع: لا يجوز أن يقال: المزاج الكهولى أوقف الادراكات العقلية، و لا يجب علينا أن نذكر السبب فيه، بل يكفينا مجرد المطالبة.
و أما قوله فى آخر هذا الفصل: «فاذن هذه كلها بدنية» فاعلم:
أنه لما ذكر دلائله الأربع على أن هذه القوى المدركة للجزئيات جسمانية، صرح عقيبها بذكر النتيجة فقال: «فاذن كلها بدنية» أى فاذن هذه القوة المدركة للجزئيات بدنية.