شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٤٦ - الفصل الرابع عشر فى الحواسّ الباطنة
و تسمى الحس المشترك. و ذلك أن الحواس الظاهرة كلها منبعثة و متشعبة من هذه القوة المسماة بالحس المشترك. و معنى هذا الانبعاث:
هو أنها بأسرها اذا أدركت محسوساتها، أدت تلك المحسوسات الى هذه القوة المسماة بالحس المشترك، حتى أنها تحكم على هذا الملون بأنه هو ذلك المطعوم. و كأن هذه الحواس الظاهرة انما كانت لأجل أن تكون خوادم لهذا الحس المشترك، و انما تستعد بأعمالها و أفعالها خدمة له و ذلك هو المراد من الانبعاث. فلهذا السبب سموا هذه القوة بأنها مجمع الحواس الظاهرة.
ثم هاهنا بحث آخر و هو: أن ادراك الماهيات من باب الانفعال، فانه لا معنى للتصور الا حصول صور الماهيات فى القوة المدركة، و أما الحكم على هذا بأنه ذلك أو ليس ذلك، فهو من باب الفعل.
و عندهم الواحد لا يصدر عنه الا الواحد. و على هذا القانون. وجب أن لا تكون القوة الحاكمة على هذا الملون بأنه هو ذلك المطعوم، مدركة لا لهذا اللون و لا لهذا الطعم. و الا فقد صدر عن القوة الواحدة فعل و انفعال معا. و ذلك غير جائز. ثم اذا لم يكن هذا الحاكم مدركا للمحكوم عليه. فليت شعرى لم يحكم بشيء غير معلوم على شىء غير معلوم؟ و أيضا: فبتقدير صحة هذا الكلام، يبطل قوله: القاضى الشيئين لا بد و أن يحضره المقضى عليهما. و أما ان قلنا: بأن هذه القوة الواحدة تدرك هذه الماهيات و تحكم عليها، فحينئذ قد جوزوا صدور الآثار المختلفة عن القوة الواحدة، فلم لا يجوزون أن تكون القوة الواحدة هى المدركة للصور، فهى المدركة للمعانى و هى المتصرفة فيها بالتحليل و التركيب. و على هذا التقدير تصير القوى الخمس الباطنة قوة واحدة، و يبطل كلامهم بالكلية.
و أما بقية الألفاظ فظاهر.
قال الشيخ: «و هذا الحس المشترك تقترن به قوة تحفظ ما تؤديه الحواس اليه من صور المحسوسات، حتى اذا غابت عن الحس