شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٤٤ - الفصل الرابع عشر فى الحواسّ الباطنة
مسبوق بتصور الطرفين.
فوجب القول باثبات قوة واحدة مدركة مشتركة لجميع الأمور المحسوسة بالحواس الخمس. و معلوم أن شيئا من الحواس الخمس ليس كذلك. و لا يجوز أن يكون ذلك هو جوهر النفس، لأنه (اذا) ثبت أن كون النفس جوهر مجرد، و ثبت أن الجوهر المجرد لا يدرك الجزئيات، ينتج: أن النفس لا تدرك هذه المحسوسات. فلا بد من قوة أخرى جسمانية لتكون مدركة لجميع هذه المحسوسات. و تلك القوة هى التي سميناها بالحس المشترك. فهذا تقرير هذه الحجة.
و لقائل أن يقول: ما ذكرتموه باطل لوجهين:
الأول: انه كما يمكنا أن نقول: هذا الملون يجب أن يكون طعمه كذا كذا. أيضا يمكننا أن نقول: ان هذا الشخص انسان، و ليس بفرس. فاما أن لا يلزم من القاضى على الشيئين أن يحضره المقضى عليهما، أو يلزم ذلك. فان كان لا يلزم فقد سقط دليلكم، و ان كان يلزم فحينئذ الحاكم على الشخص بأنه انسان يجب أن يكون مدركا لهذا الشخص من حيث انه هذا الشخص، و للانسان من حيث انه انسان فيكون الشىء الواحد مدركا للكلى و الجزئى. لكن المدرك للكلى هو للنفس، فيلزمه أن يكون المدرك لهذا الجزئى هو النفس. و اذا كان الأمر كذلك، كانت النفس مدركة للجزئيات. و أنتم انما حكمتم باثبات هذه القوة بناء على أن النفس لا يمكنها أن تدرك الجزئيات. و اذا ثبت فساد هذه المقدمة، فحينئذ يظهر فساد هذا الدليل الذي ذكرتموه. و هذا البيان يدل على أن الدليل الذي ذكرتموه باطل.
الثاني: لم لا يجوز أن يقال: المدرك لهذه المحسوسات هو الحواس الظاهرة، و الحاكم على هذا الملون بأنه هو هذا المطعوم هو القوة الفكرة التي هى المتصرفة فى الصور و المعانى بالتحليل و التركيب؟ و على هذا التقدير فلا حاجة الى اثبات هذا الحس المشترك.
ثم نقول: الذي يدل على فساد القول بالحس المشترك وجوه: