شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٤٥ - الفصل الرابع عشر فى الحواسّ الباطنة
الحجة الأولى: انا اذا رأينا المرئيات بالقوة الباصرة، و سمعنا المسموعات بالقوة السامعة، و كذا القول فى سائر المحسوسات، ثم انا أحسسنا بكل هذه المحسوسات مرة أخرى بهذا الحس المشترك، فحينئذ كنا قد أحسسنا بكل واحد من هذه المحسوسات مرة بالحس الظاهر، و مرة أخرى بالحس المشترك. لكنا نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا: أنا رأينا «زيدا» فانا ما رأيناه فى الحالة الواحدة الا مرة واحدة، و ان القول بهذا التعدد مما يأباه صريح العقل.
الحجة الثانية: ان هذه القوة الواحدة لو اجتمعت فيها هذه الادراكات. ثم قلنا:
ان هذه القوة موجودة فى مقدم الدماغ، لزمنا أن نقول: انا اذا لمسنا باليد، و أدركنا حرارة، فانا نجد ذلك اللمس حاصلا فى مقدم الدماغ. و اذا ذقنا بالفم شيئا، فانا نجد ذلك الذوق بمقدم الدماغ، لكنا نعلم بالضرورة أنا نجد ذلك اللمس باليد، لا بمقدم الدماغ، و مدرك ذلك الذوق باللسان لا بمقدم الدماغ، فكان قولهم على خلاف العقل.
الحجة الثالثة: الواحد لا يصدر عنه الا الواحد. فالقوة الواحدة لا يصدر عنها الا نوع واحد من الادراك. فالقوة الباصرة يمتنع أن يصدر عنها الا نوع واحد من الادراك- و هو الابصار- و القوة السامعة يمتنع أن يصدر عنها الا نوع واحد من الادراك- و هو السماع- و اذا عرفت هذا فنقول: انهم زعموا أن هذه القوة المسماة بالحس المشترك تقوى على ادراك جميع المحسوسات بجميع أنواع الادراكات. و ذلك يبطل ما قالوه من أن القوة الواحدة لا يصدر عنها الا أثر واحد.
و لنرجع الى تفسير ألفاظ الكتاب.
أما قوله «فمنها القوة التي تنبعث منها قوى الحواس الظاهرة، و تجتمع بتأديها اليها و تسمى الحس المشترك» فاعلم: أن هذه العبارة كأنها مختلفة. و أظن أن العبارة الصحيحة أن يقال: فمنها القوة التي تنبعث منها قوى الحواس الظاهرة و تجتمع فى تأديتها محسوساتها اليها