شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٣٨ - المسألة الثالثة
التفسير: اعلم: أن هذا الشكل ذكره «أوقليدس» فى كتاب «المناظر» و المراد منه: أنه لو كان الابصار سبب خروج الشعاع، لم يكن بعد المرئى عن الرائى موجبا أن يرى بأصغر مما هو عليه. و أما أن كان سبب انطباع الشبح فى الجليدية، فان بعد المرئى عن الرائى، يوجب أن يرى أصغر مما عليه.
(أما) المقام الأول: فهو أنه ان كان شرط الابصار خروج الشعاع عن الحدقة السليمة و اتصاله بالهواء المتصل بالمرئى، فهذا المعنى حاصل، سواء كان قريبا أو بعيدا، فوجب أن يرى المرئى كما هو من تفاوت سواء كان قريبا أو بعيدا. و لما لم يكن كذلك، علمنا أن القول بالشعاع باطل.
و لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يقال: شرط حصول الابصار خروج الشعاع من الحدقة السليمة بشرط أن يكون على حد مخصوص من القرب و البعد؟ فان كان متصلا بالرائى امتنعت رؤيته، و ان كان فى غاية البعد أيضا امتنعت رؤيته، و ان لم يكن متصلا لكنه قريب جدا من الحدقة رئى أعظم مما هو، فانا اذا قربنا حلقة الخاتم الى العين رأيناها كالسواد، و ان كان فى غاية البعد، رأيناها أصغر مما هو، و ان كان على الحد المعتدل رأيناها كما هو. فلم لا يجوز أن يكون خروج الشعاع من الحدقة السليمة شرطا لحصول الابصار على هذه الشرائط المخصوصة؟ وهب أنا لا نعرف لذلك سببا لكن الاحتمال قائم.
و أما المقام الثاني: فهو أنه اذا كان الابصار سبب انطباع شبح المرئى فى نقطة الناظر، فان المرئى بعيدا يوجب أن يرى صغيرا.
و اعلم: أن «الشيخ» بين بهذا الشكل الهندسى أنه متى كان المرئى أبعد، كان موضع الارتسام أصغر، و هذا حق لا نزاع فيه. الا أن هذا الكلام انما يتم اذا ضممنا اليه مقدمة أخرى. و هى قولنا: و كل ما كان موضوع الارتسام أصغر، وجب أن يرى المرئى أصغر.
و «الشيخ» لم يبين هذه البتة، و لم يذكر فى تقريره شبهة فضلا عن حجة.