شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٣٢ - المسألة الثالثة
الأول: ان الابصار عندكم عبارة عن انطباع صورة المرئى فى الرائى، و على هذا يلزمك أن الانسان اذا رأى نصف كرة العالم، أن تنطبع صورة نصف العالم فى نقطة ناظره. و ذلك محال. فاذا التزمت هذا، فكيف تستبعد أن يخرج من بصر الانسان جسم يلاقى نصف كرة العالم؟
و بالجملة: فان كان صغر نقطة الناظر يمنع من أن يخرج منها جسم ينبسط على نصف كرة العالم، فكذلك صغرها يمنع من أن يرتسم فيها صورة نصف كرة العالم على كبرها.
الثاني: هو أن مثبتى الجوهر الفرد لما قالوا: لو كان الجسم قابلا لانقسامات لا نهاية لها، لزم تجويز أن ينفصل من الخردلة الواحدة طبقات تغشى بها وجوه السماوات و الأرض و أنتم التزمتم و قلتم: هذا و ان كان مستبعدا الا أنه ليس بممتنع. فاذا حكمتم هناك بأنه غير ممتنع، فكيف حكمتم هاهنا بأنه ممتنع؟
الوجه الثالث: هو أن مذهبكم: أن الجسم أن ينتقل من المقدار الصغير الى المقدار العظيم. و بالعكس. و اذا كان كذلك، فلم لا يجوز أن يقال: ان الشعاع حين كان فى العين كان صغير القدر، و اذا خرج من العين انبسط و عظم قدره؟
الوجه الرابع: هو أن هذا الكلام انما يتوجه على من يقول: شرط حصول الابصار خروج الشعاع من العين و اتصاله بالمرئى، أما من لا يقول به بل يقول: شرط حصول الابصار خروجه من العين و اتصاله بالهواء المتصل بالمرئى، فانه لا يتوجه عليه هذا المحال البتة. فانا نقول:
الشعاع الموجود فى العين و ان كان فى غاية القلة الا أن شرط الابصار خروجه من العين و اتصاله بالهواء النير المتصل بالمرئى. و هذا الكلام لا يتوجه عليه ما أوردتموه البتة. فسقط ذلك الكلام بالكلية.
لا يقال: و اذا لم يكن حصول الابصار مشروطا بأن يخرج الشعاع من العين و يتصل بالمرئى، فلم لا يكتفى بالهواء النير الواقف بين الرائى و بين المرئى، من غير حاجة الى خروج هذا الشعاع القليل من العين؟