شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨٢ - المسألة الثالثة فى بيان أن الأسطقسات ما هى؟
و أما المذهب المختار عند «أرسطاطاليس» و عند «جالينوس» و جمهور المتأخرين من الفلاسفة و الأطباء. فهو أن العناصر الأربعة لم تتولد عن غيرها، و ما سواها من أجسام هذا العالم فمتولدة عنها.
أما الأطباء. فقد ذكروا فى هذا الباب طريقة اقناعية، فقالوا:
شاهدنا أن الأجسام المعدنية و النباتية و الحيوانية متولدة عن هذه الأربعة، و لم يدل دليل على كون هذه الأربعة متولدة عن غيرها، فلا جرم قضينا بأنها هى «الاسطقسات» فنفتقر هاهنا الى بيان هذين المقامين:
أما المقام الأول. و هو قولنا: المعادن و النبات و الحيوان متولدة عن اختلاط العناصر الأربعة. فالذى يدل عليه: طريقة التركيب و التحليل.
أما طريقة التركيب فهى أن أبدان الحيوان متولدة من المنى و دم الطمث.
و المنى انما يتولد من الدم، فكانت الأبدان متولدة من الدم، و الدم انما يتولد من الغذاء، و الغذاء اما حيوانى و اما نباتى. و أما الغذاء الحيوانى فيكون البحث عن كيفية تولده، كالبحث عن تولد الحيوان الأول.
و لا يتسلسل. بل ينتهى بآخرة الى الأغذية النباتية. فالحيوان يتولد من الدم، و الدم من الغذاء، و الغذاء لا بد و أن ينتهى الى النبات، و النبات انما يتولد من هذه العناصر الأربعة. فانه اذا اختلط الماء بالأرض و وصل اليه الهواء الموافق و تأثير الشمس و سائر الكواكب، تولد النبات. و بهذا الطريق عرفنا أن تولد هذه الأجسام المعدنية و النباتية و الحيوانية عن هذه الأربعة.
و أما طريقة التحليل: فهى أنا لو وضعنا قطعة من جسم حيوانى أو نباتى أو معدنى فى القرع و الأنبيق، و سلطنا عليه النار، انفصل من ذلك الجسم رطوبات مائية، و انفصل عنه جسم بخارى هوائى، و بقى فى أسفل القرع جسم أرضى. و ذلك يدل على أن ذلك الجسم كان متركبا من هذه الطبائع.
فهذا تقرير طريقة التركيب و طريقة التحليل. و هى الطريقة التي عول عليها جمهور الأطباء.