شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥٢ - المسألة الأولى فى اثبات أن الحركة الدورية ارادية
ثم نقول: الحركة الدورية يمتنع أن تكون طبيعية. و الدليل عليه:
أن (فى) الحركة الدورية. كل نقطة يفارقها المتحرك، فان هربه عنها عين طلبه لها، و حركته عنها عين توجيهه اليها. فلو كانت هذه الحركة طبيعية، لكان الهرب الطبيعى عن الشىء عين الطلب الطبيعى للشىء.
و ذلك محال.
فثبت: أن الحركة الدورية يمتنع أن تكون طبيعية، و يمتنع أيضا أن تكون قسرية. لأن القسرية على خلاف الطبيعية. و اذا امتنع كونها طبيعية، امتنع كونها قسرية، و لما بطل هذان القسمان ثبت كونها ارادية.
أن الحركات الدورية كلها ارادية.
و لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يقال: الجسم المستدير قد يكون قبل وصوله الى تلك النقطة طالبا لها بالطبع، ثم عند الوصول اليها يصير هاربا عنها بالطبع. و ذلك لا يوجب التناقض، لأنه انما يكون طالبا للوصول الى تلك النقطة، فترك الوصول اليها. و انما يصير هاربا عنها عند الوصول اليها. فالطلب و الهرب لم يحصلا فى زمان واحد و لا بحسب شرط واحد، بل فى زمانين بحسب شرطين مختلفين، و ذلك و ذلك لا امتناع فيه؟
و الذي يدل على أنه غير ممتنع وجوه:
الأول: انه لا نزاع فى أن الحركة المستقيمة قد تكون طبيعية، ثم أن الحجر النازل بالطبع يكون قبل وصوله الى حد معين فى تلك المسافة يكون طالبا للوصول اليه. ثم عند وصوله اليه يصير هاربا عنه. فاذا عقل عنه ذلك فى الحركة المستقيمة، فلم لا يعقل مثله فى الحركة المستديرة؟
الثاني: ان الطبيعة توجب السكون بشرط الحصول فى المكان الطبيعى، و توجب الحركة بشرط الحصول فى المكان الغريب. فثبت:
أن كون الشىء الواحد موجبا لحالتين متضادتين بحسب شرطين مختلفين فى زمانين متغايرين غير ممتنع.
الثالث: ان عندكم الحركات الدورية ارادية. فقبل وصول الجسم