شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٢٥ - المسألة الثانية فى بيان أن الزمان كم متصل
أن يكون منقسما. فثبت: أن هذا الآن الحاضر غير منقسم.
اذا ثبت هذا فنقول: ان عدمه يكون دفعة. اذ لو كان على التدريج، لكان منقسما، لكنا بينا أنه غير منقسم. و اذا كان عدمه دفعة، فالآن الذي هو أول، أن (كان) عدمه يكون متصلا بوجوده. فقد تتالى هذان الآنان. ثم الكلام فى الآن الثاني كما فى الأول. و هذا يقتضى القطع بتتالى الآنات أبدا. و انه برهان قاهر جلى فى اثبات هذا المطلوب.
و الحجة الثانية: ان هذا الآن الحاضر الذي دللنا على أنه لا يقبل القسمة، لا بد و أن يكون عدمه أيضا دفعة، فلا بد و أن يحصل فى أول عدمه شىء آخر، و الا فحينئذ ينقطع الزمان. و يكون ذلك الشىء أيضا حاضرا عند حصوله و حضوره. فيكون غير منقسم أيضا. و هذا يوجب القطع بتتالى الآنات التي هى غير منقسمة.
الحجة الثالثة: ان أحد طرفى الآن الحاضر هو الماضى- و هو معدوم- و الطرف الآخر منه هو المستقبل- و هو أيضا معدوم- فلو قلنا بأن هذا الآن الحاضر يوجب اتصال أحد جزأي الزمان بالجزء الآخر، لكان هذا القول معناه: أن أحد المعدومين يتصل بالمعدوم الآخر بطرف موجود. و هذا لا يقوله عاقل.
الحجة الرابعة: ان كل جزءين يفرضان فى الزمان. فان أحدهما لا بد و أن يكون متقدما على الآخر، فلا يجوز أن يكون تقدم الجزء المتقدم على الجزء المتأخر، أمرا ثبت له بسبب غيره. و الا لزم التسلسل أو الدور- على ما قررناه- فلا بد و أن يكون الجزء المحكوم عليه بكونه متقدما لذاته، و الجزء المحكوم عليه بكونه متأخرا يكون متأخرا لذاته. فثبت أن كل جزءين يفرضان فى الزمان، فان لكل واحد منهما لازما يلزمه لذاته. و ذلك اللازم ممتنع الثبوت فى حق الآخر. لكن اختلاف اللوازم يدل على اختلاف الملزومات فى الماهية، فوجب أن تكون الأجزاء المفروضة فى الزمان مختلفة لذواتها و لماهياتها. و متى كان الأمر كذلك، لم يعقل من اتصالها الا تواليها و تعاقبها بحيث يكون كل واحد منها منفصلا فى نفسه عن الآخر. و لا معنى لبيان الآنات الا ذلك.