شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٢٧ - المسألة الثالثة فى بيان أن الزمان مقدار الحركة
و هذا الزوال ليس على سبيل توالى الآنات المتعاقبة، بل لا بد و أن يكون على سبيل الاتصال المستمر. و لا معنى للحركة الا ذلك. فانا بينا فى أول الكتاب: أن الحركة عبارة عن تبدل يحدث على سبيل التدريج و الاستمرار.
فثبت: أن الزمان متعلق الحركة.
و لقائل أن يقول: أما قولكم: أن تعاقب القبليات و البعديات يقتضى وقوع التغير و الحركة فى الشىء المحكوم عليه بالقبلية و المعية و البعدية.
فنقول: هذا باطل. فان بديهة العقل حاكمة بأن إله العالم كان موجودا قبل حدوث هذا الحادث اليومى، و أنه الآن موجود معه، و أنه سيبقى بعده.
فان (كان) تعاقب القبلية و المعية و البعدية، يوجب وقوع التغير فى ذات ذلك الشىء المحكوم عليه بهذه الأحوال، لزم وقوع التغير فى ذات واجب الوجود. و ذلك لا يقوله عاقل. و لئن قلتم: لو لا وقوع هذا التغير فى هذه الحالات، و الا امتنع وصف اللّه تعالى بالقبلية و المعية و البعدية.
نقول: قد جوزتم أن يكون الشىء محكوما عليه بالقبلية و المعية و البعدية بسبب وقوع التغير فى شىء آخر، فلم لا يجوز أن يكون الزمان كذلك؟
و هذا هو قول «الامام أفلاطون» فانه كان يقول: المدة لم يقع فيها شىء من الحركات. و التغييرات لم يحصل فيها الا الدوام و الاستمرار، و ذلك هو المسمى بالدهر و السرمد. و أما ان حصلت فيه الحركات و التغيرات، فحينئذ يعرض لها قبليات قبل بعديات، و بعديات بعد قبليات، لا لأجل وقوع التغير فى كمال المدة و الزمان بل لأجل وقوع التغير فى تلك الأشياء.
ثم نقول: هاهنا دلائل أقوى مما ذكرتم تدل على أن الزمان يمتنع أن يكون مقدار الحركة:
الحجة الأولى: أن نقول: انا اذا قلنا: ان الزمان مقدار الحركة.
فلا معنى لهذا الكلام الا أن الزمان مقدار دوام الحركة، لكن من المعلوم أن دوام الحركة لا وجود له فى الأعيان. فمقدار هذا الدوام الذي هو صفة لهذا الدوام و نعت له، أولى أن يكون له وجود فى الأعيان.