من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٦ - هكذا يصطفي الله الدعاة إليه
معرفة الله حقاً.
ما هو الفرق بين القوة والعزة؟ يبدو أن الفرق بين القوي والعزيز هو أن القوي يستخدم- بسبب أو آخر- قوته في السيطرة على الآخرين، و لكنه ليس بعزيز، أما إذا كان قوياً واستخدم قوته وقدرته في الساحة الاجتماعية، فآنئذٍ يسمى عزيزاً أي مرهوب الجانب، والله سبحانه كذلك إلا أنه لا يقاس بخلقه فهو قوي مطلق القوة، وعزيز يستخدم هذه القوة في تدبير شؤون الخلق، فلا يتصور أحد أنه قادر على تحدي الله أو أن باستطاعته بعد ذلك أن يفلت من عقابه، و عموماً فإنَّ القوة والعزة توحيان بضرورة التقوى حيث يعاقب الله من لا يقدره حق قدره.
رسل المسؤولية
[٧٥] اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ إن الله سبحانه وكما جرت سنته لا يعذب قوماً من دون أن يرسل إليهم رسولًا حتى ولو لم يقدروه حق قدره، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]، فالله وقبل كل شيء يصطفي رسلًا من الملائكة ومن أهل الأرض، فيرسل بالوحي هؤلاء إلى هؤلاء، فرسل الله في الأرض هم رسل المسؤولية، وهذه الآية توحي بأن رسل الله سواء كانوا ملائكة أو بشراً هم على درجات.
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وعندم- ا يصطفي سبحانه من الملائكة ومن الناس رسلًا فإنه لا يتخلى عن عباده، بل هو سميع بهم وبصير بما يعملون، يدبر أمورهم، ويسجل أعمالهم، ويعلم ما في سرائرهم وضمائرهم، وأن اصطفاءه للرسل إنما يتم بعلمه، وبسمعه وبصره فلا يكون عبثاً، ولعلَّنا نستوحي من قوله سبحانه وَمِنْ النَّاسِ أن الله يصطفي من المؤمنين من يحمل الرسالة، فهناك الرسول، ورسول الرسول، وهكذا ودليلنا على هذه الفكرة قوله تعالى في آخر آية من هذا الدرس، حي- ن يتحدث عن المجتمع الإسلامي وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨]، وآية أخرى يقول فيها سبحانه وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد: ٣٨] فالله سبحانه يختار من سائر عبيده، من يحمل الكفاءة العلمية والعملية والقيادة، ويحمله مسؤولية نقل رسالته.
[٧٦] والله سبحانه يحيط علماً بمن يصطفيهم من الرسل فلا يقدرون على مخالفته ومعصيته، ونقل مالا يرضى من القول إلى الناس وإنه لضلال مبين أن نقيس ربنا بمن يجتبيهم من رسله الذين يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ إن علم الله شامل لرسله أيضاً، فهو معهم ويعلم ما بين أيديهم وما خلفهم اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ أمور الأنبياء وأمور الناس،