من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٦ - لا للتبرير نعم لتحمل المسؤولية
هذه الخاتمة البليغة توحي بأن عدم معرفة الله هو السبب لتصور شريك له، إذ إن الزعم بوجود شريك للرب دليل على جهل صاحبه بأن الله سبحانه هو الملك الجبار الذي لا يغلب سلطانه، ولا يمكن الفرار من حكومته.
[٢٣] ودليل قدرة الله المطلقة وسلطانه الشامل العظيم إنه فوق السؤال، وإنه لا أحد يخرج عن إطار المسؤولية أمامه لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ.
[٢٤] أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ كما أننا نأتي بالبرهان والدليل على إلوهية الله، فعليكم أيها المشركون أن تأتوا ببرهان ودليل على إلوهية آلهتكم. وأن هذه الآية توحي بفكرة هامة وهي: إن الذين يدعون وجود إله غير الله سبحانه وتعالى، إنما يزعمون ذلك انطلاقاً من أهواء نفسية يبررون بها عدم التزامهم بمسؤولياتهم أمام الله، فإذا طالبتهم ببرهان عقلي أو حجة منطقية فسيعجزون عن ذلك وتتبخر دعاواهم، حيث لا تصمد ظلمات أنفسهم أمام وهج الحقيقة.
هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي هذه ليست فكرة جديدة موضوعة في رسالة السماء، فكل الرسالات الإلهية تؤكد وحدانية الله.
ومن عوامل الضلالة النفسية، إحساس الإنسان بضرورة التوافق الاجتماعي، والقرآن الحكيم يذكرنا هنا- وفي آيات عديدة- بأن كثرة الضالين ليست دليل صدقهم، بل الحق المدعم بالبرهان العلمي هو المقياس بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ.
[٢٥] واذا كان الناس في بلد (مثل مكة يوم نزلت فيها هذه الآيات) يشركون بالله، فإنَّ هؤلاء هم خط الضلالة، وفي مقابلهم صراط الهدى أقدر وأعمق جذوراً.
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ إن رسالات الله لا تختلف في فكرة التوحيد، وما نراه في بعض الديانات من تعدد الآلهة إنما هو نتيجة التشويه، والتحريف الذي طرأ عليها، وإلا فإنَّ اليهودية الحقيقية والمسيحية الأصيلة وكل ما سبقهما من الديانات إنما هي كالإسلام تدعو إلى توحيد الله، وعدم عبادة غيره بأي حال من الأحوال، وبأية صورة من الصور، وسواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
شفاعة الرسل
[٢٦] وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ هناك أناس طيبون صالحون، ولكن هؤلاء ليسوا أولادا لله، إنما هو عباد الله، وإن صفتهم الوحيدة هي