من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٩ - هدفية الحياة
ننسف هذه الفكرة، ونقتلع جذورها من أنفسنا لابد لنا من قراءة التاريخ، والسير في الأرض لنرى آثار الماضين كيف انتهوا وكيف جاءهم عذاب الله، فإنَّ الله سبحانه وتعالى قد قصم كثيراً من القرى ودمرها بظلمها لأنها رفضت أن تؤمن بالحق وتنصاع له، فالقضية- إذن- جدية، وما ينذرنا الله به قد وقع فعلًا بالنسبة لمن سبقونا، لذلك ينبغي أن نخاف فلا نألوا جهداً عن مواجهة هذا المصير السيء.
ونلاحظ في هذه الآية لفتة لطيفة في التعبير القرآني، حيث يقول وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ، ثم يقول وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ، فلماذا لا يقول القرآن وكم قصمنا من قوم وأنشأنا بعدهم قوماً آخرين؟ أو وكم قصمنا من قرية وأنشأنا بعدها قرى أخرى؟.
والجواب هو حينما يقصم الله سبحانه وتعالى قرية فإنه لا يهلك أهلها فقط، ويترك العمارات والشوارع والمصانع سالمة، وإنما يدمر كل شيء فيها، مرة واحدة، وحينما ينشىء قوماً آخرين فإنه لا ينشىء معهم قراهم، ومعابدهم ومصانعهم، بل يخلقهم، وبعد ذلك يقول لهم: اسعوا في الأرض أي اصنعوا حضارتكم بأنفسكم، فهم المسؤولون عن بناء البيوت والشوارع وتأسيس المصانع.
[١٢] فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ إن إرهاصات غضب الله عليهم كانت قائمة، ولكنهم تغافلوا عنها، ولو أنهم تحسسوا بها وتابوا إلى الله قبل نزول البأس والعذاب لقبلت توبتهم، مثلما قبلت توبة قوم يونس عليه السلام، ولكنهم بقوا على حالتهم حتى أحسوا بأس الله ولمسوه لمساً، آنئذ قاموا يركضون، وظنوا أن الهرب ينفعهم.
[١٣] لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ إلى أين تركض أيها الظالم؟! لماذا تخرج من قريتك التي عمرتها والزينة التي جمعتها؟ ارجع وابق هناك حتى نهدم بيتك على رأسك، وعندما نفجر مصنعك نفجره وأنت فيه، وعندما ننسف بيتك ننسفه معك.
ولعلَّ الآية تشير إلى أن الركض لا ينفع، كما أن كلمة لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ في ذيل الآية ربما توحي بالسؤال الشائع من الأطلال وبقية آثار الشعوب، وكأنهم بعد الدمار يتحولون إلى عبرة للأجيال القادمة حيث يقفون على ديارهم ويسألونهم: أين حضارتكم التي اترفتم فيها، أين مساكنكم التي اطمأننتم إليها؟! كما جاء في رائعة منسوبة [١] إلى الإمام علي الهادي عليه السلام
نَادَاهُمْ صَارِخٌ مِنْ بَعْدِ دَفْنِهِمْ
أَيْنَ الْأَسَاوِرُ وَالتِّيجَانُ وَالْحُلَلُ
أَيْنَ الْوُجُوهُ الَّتِي كَانَتْ مُنْعِمَةً
مِنْ دُونِهَا تُضْرَبُ الْأَسْتَارُ وَالْكِلَلُ
فَأَفْصَحَ الْقَبْرُ عَنْهُمْ حِينَ سَاءَلَهُمْ
تِلْكَ الْوُجُوهُ عَلَيْهَا الدُّودُ تَقْتَتِلُ