من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٤ - اقترب للناس حسابهم
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
لماذا كان حديثهم بينهم نجوى؟.
لأنهم يخافون أن يفتضحوا أمام الملأ بسبب ضعف موقفهم العلمي أمام شواهد الصدق التي تميزت بها الرسالة، ولأنهم انهزموا في واقع أنفسهم أمام قوة الرسالة، فلم يجدوا بُداً من المؤامرة في السرّ ضدها! ولأنَّ ادعاءهم بأنها سحر كان واضح البطلان فاحتاجوا إلى التواطؤ عليه في السر، فالسحر شيء والرسالة شيء آخر، السحر يداعب خيالهم بينما الرسالة تثير عقولهم.
[٤] قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ إن الإنسان يبرر عمله أمام الآخرين مادام يعلم أن تبريره يمكن أن ينطلي عليهم، أما إذا علم أن هناك من يعرف حقيقة أمره، فإنه سيخجل من ذاته، ويكف عن انحرافه إن كان أهلًا للموعظة.
لذلك ذكر النبي صلى الله عليه واله المشركين بأن الله يعلم أن كلامهم باطل وهم بدورهم يعلمون ذلك، فلماذا يتحدَّثون به؟ ثم إن رسولهم الذي جاء بالذكر هو أول من يحْذرْ ربه، لأنه يعرف أنه يعلم القول في السماء والأرض، فكيف يمكن أن يفتري عليه وهو الشاهد الناظر؟.
[٥] بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ أي أحلام مختلطة ببعضها.
بَلْ افْتَرَاهُ إن كلامه معقول، ولكنَّه كاذب في ادعائه أنه وحي من الله.
بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ولما رأوا أن كلامه عميق وذو أثر قالوا: إنه شاعر! لأنَّ الشعر أعلى درجات الثقافة لديهم. هكذا كان حديثهم عن الرسالة متناقضاً ينبىء عن حيرة كبيرة، منشؤها عدم استعدادهم للإيمان بها، وتحمل مسؤولياتها، وترك ما تعودوا عليه، كذلك الإنسان حينما يقرر رفض مذهب أو موقف يتشبث بأعذار واهية وربما متناقضة.
ثم قالوا فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ ومن الممكن أن نؤمن، لكن على شرط أن يأتينا بآيات جديدة، وأن آيات الله التي تنزل على البشر نوعين
الأول: هي التي تأتي لإثارة العقل وبيان الحجة من قبيل الآيات القرآنية التي تأتي في زمان الفرصة وفي أيام الأجل.
الثاني: فهي التي تأتي لتفرض على الإنسان الحق شاء أم أبى وإنما تكون هذه بعد انتهاء