من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٨ - أساليب الطغاة في مواجهة الرسالة
[٥٨] فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ ولعلَّ هذا القول يشبه مزايدات الأنظمة المستبدة في طرح شعارات الإصلاح والحرية، وقد حاول فرعون إثارة حفيظة الجماهير ضد موسى، شأنه شأن كل الطغاة الذين يحاولون خداع الجماهير، فطلب من موسى تحديد موعد نهائي في مكان معين يجتمع فيه الناس فيتحدى السحرة آيات موسى.
فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوًى فبادر موسى عليه السلام وحدد ميعاد المواجهة حين قال
[٥٩] قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ يوم الزينة: يوم العيد، ولكن لماذا يوم العيد بالذات؟ لأنه في يوم العيد يتفرغ الناس من أعمالهم.
وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى وحدَّد موسى عليه السلام وقت التحدي بالضحى، لأن هذا الوقت يناسب الجميع، فالنائم يكون قد استيقظ، والبعيد وصل، والإنسان يكون في أفضل حالاته الفكرية.
[٦٠] فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى وأخذ فرعون يعد عدته، ويجمع كيده، ويلملم قواه.
[٦١] قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى لقد بادر موسى عليه السلام بإلقاء الحجة على السحرة قبل أن يتحداهم.
أولًا: لأنه رسول إليهم أيضاً، وأول واجبات الرسول هو إنقاذ الناس بالموعظة وقد تبيَّن تأثيره لاحقاً.
ثانياً: هزَّ ضمائرهم ليلحق بهم هزيمة نفسية، فكأنه قال لهم أيها السحرة! يامن تخدمون النظام بعلمكم، وتصبحون مرتزقة للظالمين من أجل لقمة خبز .. لا تفتروا على الله كذباً بادعائكم أني ساحر، أو بتأليهكم فرعون وتكذيبكم رسالتي فإنكم إذا كنتم كذلك، سيسحتكم الله بعذاب بئيس، لأنَّ العلم نعمة من عند الله للإنسان يجب أن تشكر، فإذا لم تشكر أصبح نقمة، والسحت اقتلاع الشيء من جذوره، وإذا قلعت الشجرة من جذورها، يقال سحتها.
[٦٢] فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ بين مصدق ومكذب فعلًا بأن الصدق في دعوى الكليم عليه السلام. إن السحرة كانوا نخبة المجتمع المثقفة، وبقايا من المعارف التي بلغها نبي الله يوسف عليه السلام، كانت ولا تزال لدى النخبة سواء السحرة أو بيت فرعون نفسه.
ومن جهة أخرى السحرة هم خير من يميز حقيقة السحر، فيبدوا ارهاصات انكشاف