من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٦ - الباقيات الصالحات خير عند ربك
تقول: إني لا أعبده، بل أطيعه. كلا. إنك تعبده حين تسمع له، وتطيع أمره، وما جوهر العبادة إلا الطاعة. جاء في حديث شريف في تفسير هذه الآية.
عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام فِي قَوْلِهِ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً
يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْ يَكُونُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ آلِهَةً مِنْ دُونِ الله عَلَيْهِمْ ضِدّاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَتَبَرَّءُونَ مِنْهُمْ وَمِنْ عِبَادَتِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
. ثُمَّ قَالَ عليه السلام
لَيْسَ الْعِبَادَةُ هِيَ السُّجُودَ وَ لَا الرُّكُوعَ إِنَّمَا هِيَ طَاعَةُ الرِّجَالِ مَنْ أَطَاعَ الْمَخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ فَقَدْ عَبَدَهُ
. وقوله عز وجلَّ أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً قال
لما طغوا فيها، وفي فتنتها، وفي طاعتهم، ومد لهم في طغيانهم وضلالتهم، أرسل عليهم شياطين الإنس والجن
تَؤُزُّهُمْ أَزّاً
أتنخسهم نخساً، وتحضهم على طاعتهم وعبادتهم، فقال الله عزوجل
عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً
أي في طغيانهم وفتنتهم وكفرهم] [١].
جزاء الكافرين
[٨٣] أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً إن الشياطين يدفعون الكافرين دفعاً إلى العذاب، إلى حيث النقمة والشقاء. هكذا يفعل الشياطين بالكافرين، ولكن الله ليس بظلام للعبيد، فهو لا يبعث الشياطين على المؤمن المخلص الذي انتهج منذ البدء طريق الهدى، والشيطان لا يقدر عليه مهما حاول جهده، أما ذلك الانسان الذي كفر بالله ابتداء، وترك الاعتصام بحبله، وظل بدون محور صحيح يدور عليه، ولا قاعدة ثابتة يعتمد عليها، فإنَّ الله يرسل عليه شيطاناً يدفعه إلى النار في الآخرة، والعذاب في الدنيا، والآية هذه شاهدة على الآية السابقة، إذ أن الشياطين وهم الحكام الظلمة، والأحزاب الكافرة، وإبليس وجنوده، لا يزالون ينخسون مريديهم وتابعيهم، ويحرضونهم على طاعتهم حتى يوردونهم نار جهنم.
[٨٤] فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ لذلك لا تعجل على هؤلاء الذين يمشون في هذا الطريق، وينتمون إلى الفئات المشبوهة الباطلة، في سبيل تثبيت أركان الظالمين: فإنَّ الشيطان سوف يدفعهم إلى مصيرهم المحتوم. جاء في حديث عن قوله أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً قال: نزلت في مانعي الخمس والزكاة والمعروف يبعث الله عليهم سلطاناً أو شيطاناً فينفق ما يجب عليه من الزكاة والخمس في غير طاعة الله ويعذبه الله على ذلك] [٢].
إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً إن كل خطوة يخطونها، وكل سعي يسعونه، يتحول إلى عذاب
[١] بحار الأنوار: ج ٦٩ ص ٩٤، تفسير القمي: ج ٢ ص ٥٥.
[٢] تفسير القمي: ج ٢ ص ٥٣.