من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢ - الإطار العام أخلاقيات النهضة الإلهية
المستكبرون في الأرض وعن طريق الصور التاريخية والمستقبلية، يحث القرآن على إيجاد فاصل بين المؤمنين وبينهم، فلا يتبعونهم ولا يتخذون منهم عضداً، لأنهم أعداء أولًا، وجاهلون مضلّون ثانياً.
ثم تحدَّثت عن دور التصور الذهني في معرفة الحقائق الغيبية، وبينت أن جدل الإنسان لا حدود له، مهما كانت الحقائق القرآنية كثيرة أمامه، ثم أكدت على أن الإنسان ليس مجبراً على الهداية، وأن الاستهزاء هو أخطر حجاب بين عقل الإنسان وبين الهداية. ومَن أشد ظلماً لنفسه وللناس وللحقائق ممن أودع الله قلبه فطرة الإيمان ثم ذَكَّره عبر رسالاته بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ذنوبه فجعل الله على قلبه ستاراً، ومنع عنه الفقه وجعل في أذنه وقراً فإذا به لا يهتدي أبداً.
ولأنَّ الله غفور ذو رحمة، فهو لا يعاجل الكافرين بالعذاب إلا أن لهم موعداً لا يحيدون عنه، وشاهد ذلك تاريخ القرى التي أُهلكت ف- ي الموعد المحدد لهلاكها (٥٧- ٥٩).
ويستمر السياق القرآني (٦٠- ٨٢) يحدِّثنا عن قصة موسى عليه السلام مع العالِم، ومن خلالها يُبين لنا صفات العالِم والمتعلم، وأهمية العلم، كما يشير إلى وجود خلفيات هامة للتقديرات الإلهية، والأحكام الشرعية.
فلقد عقد موسى العزم على الرحيل إلى مجمع البحرين وأنبأ فتاه ومرافقه بأنه حتى لو مضت حقب من الزمان فلن ينثني عن عزمه هذا، وعندما بلغا مجمع البحرين نسيا حوتهما الذي سرب في الماء وعندما تركا الموقع طلب من صاحبه الغذاء، الا أنه أخبره بقصة الحوت التي كان قد نسيها وقال: إن الشيطان هو الذي أنساه وحين عرف موسى بقصة الحوت علم بأن موقع قرب الحوت في البحر هو بالذات ميعاده مع العالم فعادا أو رجعا إليه.
عند الموقع وجد موسى العالم الذي أتاه ربه الرحمة والعلم، وحين سأله موسى عما إذا كان مستعداً لتعليم رشداً مما علمه الله، أخبره أنه لن يصبر على ذلك الرشد لأنَّه لم يحط بذلك خبراً، وأصر موسى ووعده بالطاعة إن شاء ربه.
كان موسى نبيًّا، وعارفاً بأحكام الرسالة الظاهرة، ومن خلال تعلمه لخلفيات الأحكام كان ينتفض مستنكراً لأنَّه لم يعلم حكم الشريعة.
فلما خرق العالم السفينة استعظم الأمر، أما حينما قتل غلاماً فقد استنكر ذلك بقوة، وهكذا عندما بنى جدارا لقوم لا يستحقون ولم يطالبهم بأجر.