من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٦ - ذو القرنين أسوة الحكم الفاضل
حينما استخدم عمله وسيلة لهدايتهم، وكشف للناس أن هذه القوة مما وهبه الله له من فضله وعرف بأن حاجة الناس إلى الرسالة والهداية أعظم من حاجتهم إلى قوته وسلطته، فاستخدم تلك اللحظة التي شعر فيها أولئك الذين كانوا يتعرضون لهجوم مرعب كل عام مرتين بالأمن والراحة عندما رأوا أن الله قد أنقذهم على يديه، استغلَّ ذو القرنين تلك اللحظة في سبيل توجيه الناس وهدايتهم، وهذا منتهى ما يستطيع أن يقوم به صاحب سلطان أو صاحب قوة، فهو حين يعطي ماله- مثلًا- فيشبع جوعة مسكين أو يغني فقيراً، أو يؤوي يتيماً، لا يكتفي بذلك، وإنما يبدأ بهداية ذلك الفرد، فيقول: هذا المال ليس لي، وإنما هو لك، وإنه فضل من ربي، إنّ الله قد يعطيك خيراً من هذا المال، وهكذا يتحدث إليه فيفيده بحديثه أكثر مما يفيده بماله.
هذا هو الموقف السليم الذي يجب أن يتحلى به المؤمنون، فيشكرون ما أعطاهم الله عليهم من فضله ويبنون علاقتهم بالآخرين على هذا الأساس.
وهناك درس آخر نستفيده من الآيات وهو: موقف الناس من صاحب السلطة، وأنه مهما كان عليه ذو القرنين من سلطة كبيرة وعظيمة، فإن هذه السلطة من الله وبالله وإلى الله، ويوم القيامة يحشر الناس إلى ربهم لا إلى سلاطينهم أو أغنيائهم، وكل الناس في يوم القيامة سوف يختلطون ببعضهم ويموج بعضهم في بعض، من دون أن يعرف هذا سيد وهذا مسود، وهذا كبير وهذا صغير- بل يكونون كالنحل الذي يدخل بعضه في بعض عند الخلية من دون أن تكون هناك ميزة لواحدة دون أخرى- لا لكبير على صغير، ولا لرجل على أنثى، ولا لشيخ على شاب، لأنَّ الناس سيقفون على صعيد واحد عندما يحشرون إلى ربهم، إذن فلتسقط هذه الاعتبارات الذاتية، وليرتفع الإنسان إلى مستوى القيم.
بينات من الآيات
بناء السد
[٩٦] آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ أي وفروا لي قطع الحديد، والزبر هي القطع المجتمعة من شيء، سواءاً كان مادياً كالحديد أو معنوياً كالفكر، فالكتاب السماوي يسمى زبوراً لان فيه أفكار مجتمعة إلى بعضها، وكذلك الحديد الذي يجتمع إلى بعضه يسمى أيضا زبراً.
وبعد أن طلب أهالي البلاد من ذي القرنين أن يساعدهم في محنتهم، جمعهم ذو القرنين ونظم قواهم، وطلب منهم أن يجمعوا قطع الحديد التي كانت متوفرة في بلادهم، ثم أمرهم