من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٤ - من حقائق الهدى والمعرفة
[٦٤] ويبدو أن علامة موسى لمعرفة مكان العالم. كانت هي بالذات حياة الحوت. وانطلاقه في البحر سرباً، وهكذا قال موسى عليه السلام قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ أي ذلك المكان هو بغيتنا وهدف رحلتنا فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً أي عادا على ذات الطريق وهما يبحثان عن الآثار.
وقبل أن نتابع قصة موسى مع العالم في الدرس القادم دعنا نتدبر في موضوع النسيان الذي يتكرر في هذه الآيات.
في آية سبقت بين القرآن قضية مهمة فقال وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً [الكهف: ٢٣- ٢٤]، وفي هذه الآيات نجد قوله تعالى وما انسانيه إلا الشيطان وهاتان الآيتان صريحتان في أن الشيطان ينسي، والله يذكر، فما هو المعنى؟.
إن فكر الإنسان يشبه مصباحاً كامل الضياء، ليس بحاجة للوقود ولكن هناك حواجز هي التي تسد منافذ هذا الضياء، فما هي تلك الحواجز؟.
أنها مجموعة عوامل مادية تقوم على أساس اهتمام الإنسان بزينة الحياة الدنيا ومتاعها، وقد يكون فتى موسى عليه السلام وهما يمشيان على البحر قد انشغل بزينة البحر، أو ببعض الأشياء العجيبة التي رآها في الطريق، المهم أن انجذاب الإنسان إلى الطبيعة وخضوعه لها هو من أسباب النسيان، والحياة مليئة بالجواذب والشهوات التي يدعمها الشيطان، ولكن ذكر الله يطرد هذه الشهوات، ويعين على ضغط الجواذب ويزكي النفس من العقد التي يكّرسها الشيطان، وذكر الله بالتالي هو عدو النسيان، لأنه يحطم تلك الحواجز التي تغلف قلب الإنسان.
وحينما تتذكر الله وقدرته وهيمنته على الكون، يعود إليك توازنك وتعود إلى نفسك تلك الإرادة المفقودة، وتعود إلى عقلك معرفتك بأنك أقوى من الطبيعة، وأسمى من زينة الحياة الدنيا فلا يجب أن تستسلم لها.
وهكذا فإنَّ القرآن الحكيم يحدّثنا في سورة الكهف عن زينة الحياة الدنيا من جهة، وض- رورة التسامي عليها من جهة ثانية، ومن أبعاد التسامي وفوائده في ذات الوقت هو: التذكر وعدم النسيان، لأنَّ الإنسان المستسلم لحياة الدنيا وزينتها يفقد فكره، بل يفقد حتى الحياة نفسها، فحب الشيء يعمي ويصم.