من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٨ - ولاية الل - ه أم ولاية الشيطان؟
من أمثال، وصرفت له من قصص وحوادث، تراه يجادل فيها.
وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا الإنسان يبحث عن أي وسيلة يتهرّب بها عن حفظ أمانة العقل، وثقل مسؤولياته أنه يبحث عن مخرج من الهداية للصعوبة القصوى التي يعانيها في رحلته الشاقة من أرض الطبيعة إلى قمة الكمال، وما دامت طبيعته الجدل، فإن عليه أن يعمل جاهداً لكي يقاوم هذه الطبيعة، ويعرف بأنه لو ترك نفسه وشأنها فإنها نزاعة للهوى وأمارة بالسوء، تدعوه إلى الجدل والإبتعاد عن الحقيقة والهبوط إلى حضيض الشهوات.
إن عليك أيها الإنسان أن تقاوم، العلم بحاجة إلى جهاد والهدى بحاجة إلى سعي، والكمال بحاجة إلى مقاومة مستمرة لنوازع الهوى حتى تكتمل.
ولعلنا لو تعمقنا قليلًا في كلمة الجدل نصل إلى معرفة طبيعة الإنسان التي هي مخلوقة من مجموعة متناقضة من الأهواء، والنزعات، والتطلعات وما أشبه، فالإنسان دائما في حالة صراع وتجاذب داخلي، ففي نفسك توجد مجموعة جواذب مختلفة كل يجذبك إلى جهة، عنصر يجذبك إلى طاعة الآباء، وآخر يدعوك إلى الغلو في حب الأبناء، وثالث يدعوك إلى الذوبان في تيارات وهكذا، وكل هذه العناصر لها تأثير على عقلك وتفكيرك ولا يمكنك الكمال إلا إذا قطعت كل حبال الطبيعة.
بعض المفسرين قالوا: إن كلمة أَكْثَرَ شَيْءٍ إنما هي على سبيل المبالغة، والواقع أنه لا مبالغة هناك، فلا يوجد شيء في الطبيعة أكثر جدلا من الإنسان. لنفترض أن شلالات الماء في (نياجارا) تحدث جدلًا لأنها تنزل وتصطرع مع المياه التي تصطدم بها، ولكن هذا الجدل أكثر أم جدل الأفكار؟ والتيارات المتعارضة في بعض البحار، والرياح المختلفة، والزوابع العاصفة أكثر جدلا أم القلب، الذي تنعكس عليه كل تناقضات الوجود؟!.
وإذا بحثت فلن تجد تناقضاً قائماً في الدنيا أكثر من ذلك الموجود في فكرك، لأن عقلك يحتوي على كل تناقضات الدنيا، ماديات ومعنويات، حق وباطل، خير وشر، ففكر الإنسان انعكاس لكل تناقضات الكون، لذلك فهو أكثر شيء تناقضاً وجدلًا.
[٥٥] ومن أنواع التناقض والجدل عند الإنسان هو ذلك الموجود بين الواقع والحقيقة، فللواقع ضغطه وجاذبيته، وللحقيقة صحتها وعاقبتها.
إن الله يبعث بالهدى للناس، ويأمرهم أن يصححوا حياتهم وفق هذا الهدى ويصلحوا ماضيهم، ولكن هؤلاء ينتظرون حتى يأتيهم العذاب، فأما أن يأخذهم بغتة، وأما يأتيهم