من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٦ - الإنسان بين تأليه المادة وعبادة الل - ه
ثم إني آمل فضل الله بشكري، وأنت تعرض نفسك لسخط الله بكفرك.
[٤٠] فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً هذا هو الفرق، فالفقير كان يتمسك بأهداب الأمل ويرجو رحمة الله، بينما الغني كان يعتز بالغرور، وهذه عبرة كبيرة لك أيها الإنسان: ففي أية لحظة من لحظات حياتك سواء كنت غنياً أم فقيراً- انظر نظرة بعيدة- فالغنى قد يتحول فقراً فلا تبطر، وكذلك الفقر قد يكون طريقاً للغنى فلا تيأس، هذه هي تعاليم الرسالة.
العقاب الإلهي
يقول المفسرون: إن كلمة الحسبان تدل على الرماية المحسوبة التي يقوم بها الرماة في وقت واحد والكلمة مأخوذة من لفظة الحساب، ثم اختلفوا: هل الحسبان عذاب من السماء، أم سيل في الأرض، أم زلزال، أم ماذا؟.
وأتصور أن الحسبان هو العذاب المحسوب والمخطط له، وفي هذه الحالة بالذات كان سيلًا، وقد يعني ذلك أن الكلمة تدل على سيل من السماء حول الجنتين.
صعيداً زلقاً: أي أرضاً جرداء غير قابلة للزراعة مرة أخرى.
[٤١] أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً أي يتسرب ماء النهر الذي يروي المزروعات إلى باطن الأرض، بحيث لا يمكن الوصول إليه والاستفادة منه.
ماذا حدث بعد ذلك تفصيليا لا نعلمه، وما نعرفه أن هذا الرجل جاء إلى باب بستانه فإذا بثمره الذي اغتر به، والذي كان حصيلة جهود مكثفة طوال سنين قد أُحيط به.
[٤٢] وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ أي جاء عذاب وأصاب الثمار وأتلفها، ثم دمَّر كل النباتات والأشياء الموجودة.
فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا من عمر ومن مال .. وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا أي تهاوى بناؤها ووقع على بعضه.
وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً أي لم أشرك بربي شيئاً، فأركن للغنى، واغتر بالثروة، واعتقد بأن المال يضمن البقاء، والخلود. والقرآن يقول أَحَداً ولا يقول: (شيئاً) ربما للإشارة إلى أن الإنسان الذي يعبد الغنى والثروة اليوم سيعبد من يملكها غداً، وهو بالتالي يسير في خط الشرك.