من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٣ - الإنسان بين تأليه المادة وعبادة الل - ه
إلا الحسرة.
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ
أولًا: يجسد أحد الرجلين الأيمان المتسامي عن زينة الحياة الدنيا، بينما يستبد بالآخر حب الدنيا، ويشغله متاعها الزائل.
ثانياً: امتلاك الرجل لأكثر من جنة، يشير إلى بعض الأساليب الإقتصادية التي يلجأ إليها الرأسماليون لضمان تدفق الأرباح عليهم، فإذا خسرت جنة هنا فإنَّ الجنة الأخرى والتي تكون في مكان آخر.
مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً وهذه طريقة يلجأ إليها المزارعون، فيحيطون بساتينهم بأشجار مقاومة للرياح والأعاصير كالنخيل، ويزرعون الأعناب في الوسط، والأرض المتبقية بين هذه وتلك يزرعونها بالخضراوات المختلفة.
[٣٣] كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا شاء الله سبحانه أن يملي لذاك الرجل فأفاض عليه الخير فيضاً، وأذن للجنتين أن تدرا المحاصيل الوفيرة، وهكذا إذا أراد الله بعبد سوءاً- لسوء نيته- فإنه يوسع عليه النعم في بعض الأحيان، ليستدرجه ويبتلي ما في داخل نفسه من سوء وفساد.
وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً لقد أعطى الله لذلك الإنسان تلك الجنان، فأعطت صاحبها كل ما يتأمله منها من ثمار طيبة، ولم تظلمه ولكنَّه ظلم نفسه، فواجه إحسان الخالق إليه بالإساءة إلى نفسه، عبر غروره واستكباره، وإعراضه عن شكر ربه المنعم المتفضل.
دركات الهبوط
[٣٤] وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ الملاك والفلاحون ومن لهم ارتباط بالأرض والزراعة، يعلمون أن لحظة الحصاد لحظة سعيدة في حياتهم، تبعث في أنفسهم الغرور، لأنهم بعد صبر وانتظار طويل يرون الثمار وهي وفيرة وزاهية، فيختالون وكأنها ثمرة جهدهم، وينسون أن الله هو الذي زرعها وأينعها في هذه اللحظة.
فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَراً أخذ يتعالى على الآخرين، اعتماداً على أشياء وقتية زائلة، وليس في الآيات دلالة على أن هذا الرجل كان له أنصار، ولعلَّ غروره دفعه إلى الاعتقاد بأنه ما دام يملك شيئاً من المال فكأنه يملك الناس أيضا، لذلك قال