من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧٥ - وأكثرهم للحق كارهون
أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ إن البشر يقدر- عادة- السلف الصالح، وتزخر ذاكرته بقصص الأتقياء والمصلحين وفي طليعتهم الرسل ولكنه- في ذات الوقت- يكفر بالرسول الذي يأتيه بآيات الله، ويتساءل عن صحة رسالته، وإنما هي تكميل للرسالات السابقة.
[٦٩] أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ كلا .. فالناس كانوا يعرفون رسول الله بصدقه وأمانته وأخلاقه، والرسالة التي جاءهم بها هي عينها التي تدعوا إليها عقولهم، والله الذي يبعث بقرآن من السماء قد أنشأ عقلًا في داخل الإنسان يصدقه، فيعرف الإنسان إن الذي جاء به هو الحق، وهكذا يستطيع كل إنسان بشيء من التعقل أن يهتدي إلى رسول الله، وإن الذي ينصحه هل هو رسول الله أم داعي الشيطان؟ ولكن بشرط أن يخرج من سجن الشهوات التي تغمره، وعند ذلك فقط سوف يرى الحقائق بوضوح.
[٧٠] أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ وهل هذا قول مجنون، وفيه من ينابيع الحكمة، وخزائن المعرفة، وبرامج الحياة، ما يعجز عن اكتناهه أولو الألباب؟!.
وهل المجنون يفعل ما قام به الرسول من تنظيم لحياة الناس، ثم قيادة المجتمع على أفضل وجه؟!.
بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ كلا .. إنهم يكرهون الحق ولذلك يجادلون فيه، وينكرون الرسول الداعي إليه، ولا يتدبرون في القول الذي يحتويه ولماذا يكره الحق أكثرهم؟ لأنهم يعيشون في غمرة منه تحيط بهم شهواتهم، وهذا هو الفرق بين المؤمنين والكافرين.
[٧١] وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَ ليس فقط من الناحية الغيبية الإلهية فقط، بل من الناحية الواقعية أيضاً لأنَّ الحق الذي تنزل به القرآن تعبير عن حقائق الإنسان والحياة، فالعدل يقيم الحياة، بينما الظلم يؤدي بها إلى الدمار، والصدق يعود على الناس بالنفع بينما الكذب يعود عليهم بالضرر، وهكذا سائر القيم السلبية والإيجابية.
بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ البعض يفسر هذه الآية بأن: القرآن جاء شرفاً للناس، ولكنهم معرضون عن شرفهم، وهذا صحيح، أما التفسير الآخر- حسب ما أرى أنه أقرب- فهو أن القرآن جاء مذكِّراً لهم بما نسوه، وغفلوا عنه، ولكي ينورهم فلماذا يعرضون عنه؟!.
وهذا التفسير تأكيد للفكرة السابقة وهي: إن الله الذي يرسل رسالة على يد رسول، أودع رسالة أخرى في قلب الإنسان، وانطباق هاتين الرسالتين دليل على صدق الرسول.