من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧٤ - وأكثرهم للحق كارهون
والجأر هو: نهاية حالة الضراعة، والطلب الملح.
[٦٥] ولكن ليس ينفع المترف دعاؤه حين يحل به العذاب لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ.
[٦٦] والآية التالية، جواب على سؤال يفترض أنه يصدر عن المترفين، حين يجدون أنفسهم بين يدي العذاب، إذ يتساءلون عن سبب رد الله لاستجارتهم وتضرعهم، فيأتيهم الجواب قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ.
إن الآيات القرآنية وهي وقود الانطلاق والتقدم، يفترض أنها تدفع الإنسان نحو الأمام، أما إذا كان قلبه مطبوعاً بالتخلف والانحراف فهي لا تنفع معه أبداً، بل تزيده طغياناً وكفراً، والنكوص على الأعقاب، كناية عن المشي القهقرى.
[٦٧] لذلك يقول القرآن مُسْتَكْبِرِينَ بِه أي بالقرآن؛ سَامِراً تَهْجُرُونَ إن تكبر الإنسان على القرآن شيء، وتكبره بالقرآن شيء آخر- وهو أعظم- حيث تتحول هذه الرسالة الإلهية العظيمة إلى أداة للاستكبار، وهذا نقيض أهداف القرآن في تحرير الإنسان من عبودية الجبت والطاغوت، وقد فسر بعضهم كلمة بِه هنا بالكعبة، حيث إن المشركين اتخذوها وسيلة استكبارهم في الأرض، بينما فسره البعض بالقرآن الذي يشير إليه كلمة آيَاتِي وتدل عليه كلمة الْقَوْلَ في هذا السياق.
وكانوا إذا جنَّ عليهم الليل واختلط ظلامه بنور القمر الهادئ، وهيئت لهم ظروف السمر، تحلقوا حول الكعبة، وأخذوا يتداولون كلاماً هجراً، كأنه هذيان المرضى، لا يقصدون به معنى حقيقياً.
ذلك الكلام الفارغ الذي كان يكشف عن مدى غفلتهم وخوضهم في غمرات- اللهو، والهوى، واللاهدفية- أرداهم إلى هذا الحضيض السافل من العذاب، الذي لا خلاص لهم منه. تدبروا في حالتي- الجأر والهجر.
[٦٨] أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ في مقابل هؤلاء نرى المؤمنين الذين يتدبرون القرآن، والتدبر من كلمة الدبر، أي النهاية فمن القرآن يبدأ المؤمن فيسير بعقله، وعلى ضوء الآية، إلى الحقائق، فيرى ماذا تريد الآية وأين هو واقعها الخارجي، وتطبيقها الحي.
إن القرآن لم يكن بدعة، فهو امتداد لرسالات الله لبني البشر، عبر الزمان ولا حجة لأولئك الذين يتنصلون عن تطبيقه أو يتكبرون عليه، ويفرغونه من معانيه.