من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٤ - قد أفلح المؤمنون
وربما تختلف الصلاة التي يذكرها في أول الصفات عن هذه التي في آخرها، فبينما الخشوع في الصلاة يعني في ذات الصلاة، وهو أصل الإيمان وحقيقته، أما المحافظة على الصلاة فهي المحافظة على حدودها، وهذا يوضح ما للصلاة من انعكاس على جميع أبعاد الحياة لدى الفرد، فأي انحراف في أي بعد يؤثر على صلاته، وهكذا تعني المحافظة عليها الالتزام بسائر الحدود الشرعية، والمؤمنون لا يتهاونون في الأحكام الشرعية بحدودها، وشرائطها، باسم جوهرها. فلا يتركون الصلاة مثلًا بحجة أن الخشوع هو الأصل فيها، فإذا تحقق فلا أهمية للركوع والسجود، كما يتصور ذلك بعض المتصوفة، إذ تراهم لا يحترمون الحدود الشرعية بزعم أنها وسائل للوصول إلى الحق، وأنهم يصلون إليه عبر وسائل أخرى، وأنهم إذا بلغوا الحق واتصلوا به سقطت عنهم التكاليف لأن الله يقول وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٩] وهم- في زعمهم- قد أوتوا اليقين.
كلا .. المؤمنون حقاً هم المحافظون على حدود الصلاة، ولكنهم لا يلتزمون بالحدود فقط بعيداً عن جوهر الصلاة، وسائر العبادات، فهم من جهة في صلاتهم خاشعون مراعون لجوهرها، وهم من جهة أخرى على صلواتهم يحافظون، ويراعون حدودها وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ.
وراثة الفردوس
[١٠- ١١] لماذا يؤمن الإنسان؟ لأنه يعرف أن إيمانه سينتهي به إلى جنة عرضها كعرض السماوات والأرض، ولهذا يأتي الحديث بعد هذه الصفات عن الجنة.
أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ ولهذه الآية معنيان
الأول: ما جاء في الأحاديث من أن لكل إنسان بيتين. أحدهما في الجنة، والآخر في النار، فمن أصبح من أهل النار ورث المتقون بيته في الجنة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه واله
[مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا لَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِنْ مَاتَ وَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ] [١].
الثاني: إنهم يرثون الفردوس وهي أعلى مراتب الجنة من دون عمل يذكر، إلا انتسابه للجنة، كالذي يرث مال أبيه لا بعمله وكده، بل لانتسابه إليه.
والله سبحانه وتعالى يريد من الإنسان أن يتصل بسبب إلى الجنة، حتى إذا مات ورثها الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
[١] بحار الأنوار: ج ٨ ص ٩١.