من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٥ - الإطار العام المؤمنون ومشروع الإصلاح القرآني
منها أن الإيمان يضر البشر. كلا؛ فهذه مريم وابنها البار، يؤويهما الرب إلى ربوة ذات قرار ومعين، ويأمر الأنبياء بأن يأكلوا من الطيبات، ويعملوا صالحاً، ويعبدوا ربهم الواحد، ولا يتفرقوا شيعاً. إلا أن موقف الكفار من النعم، بل ومن رسالات الله كان خاطئاً، حيث تقطّعوا أمرهم بينهم زبراً، لأنهم اغتروا بالنعم وفرحوا بها، وزعموا أن ذلك دليل سلامة خطهم، وهم لايشعرون (الآيات: ٥٠- ٦٥).
أما قدرة الإيمان فنجدها في الذين يشفقون من خشية الله، ويستجيبون لآياته، ولا يشركون بربهم، وحتى عطاؤهم في الله لا يطمئنون إليه، بل لا يزالون وجلين لأنهم يؤمنون بالرجوع إلى الله سبحانه، فهم لذلك يسارعون في الخيرات ويتسابقون إليها (الآيات: ٥٧- ٦١).
ولكن لا يعني ذلك أن الله ينهكهم بالمسؤوليات، بل ربنا الرحيم لا يكلف نفساً إلا ما تقدر عليه وتطيقه، وأن الله يكتب لهم أعمالهم كلها وهم لا يُظلمون (الآية: ٦٢).
ثم يذكِّرنا القرآن بأن أولئك الكفار- الذين أشارت الآيات السابقة إلى بعض ملامحهم- يعيشون في غمرات الشهوات والضلالة، يمارسون أعمالًا إجرامية ويستمرون عليها حتى يأخذ الله مترفيهم (وهم قياداتهم الفاسدة والمفسدة) بالعذاب، فإذا بهم يتضرعون من هول العذاب، ولكن لا ينفعهم ذلك، أفلم يكونوا يتولون هاربين كلما تُليت عليه آيات الله وهم يستكبرون بها، وعندما يسهرون بالليالي كانوا يقولون كلاماً تافهاً ضدها؟ (الآيات: ٦٣- ٦٧).
ولماذا الاستكبار على الحق؟ لماذا لا يتدبرون في القرآن ليجدوا أنه يهديهم إلى الحق؟ ألا يعرفون رسولهم بإخلاصه وصدقه وأمانته؟ فلماذا إذن ينكرونه؟ ولماذا يتهمونه بالجنون؟.
إن سبب جحودهم له، أنه يدعوهم إلى الحق الذي يكرهه أكثرهم (الآيات: ٦٨- ٧٠) والحق هو مجموعة القوانين والسنن التي خلق الله الكون على أساسها، فعليهم أن يتبعوا الحق حتى تصلح الأمور، أما إذا جُعلت القوانين والسنن تابعة لأهوائهم فإن السماوات والأرض ومن فيهن تفسد (الآية: ٧١).
وهنا تأتي آيات الذكر الحكيم لتساعدنا على تجاوز العقبات التي تعترض طريق الإيمان، وهي: الخوف على الثروة، والمحافظة على التقاليد، ووساوس الشيطان بأن الإيمان بالحق لا يكشف الضر (الآيات: ٧٢- ٧٧).
ثم بعد تطهير القلب من هذه الوساوس يعود ويذكرنا بنعم الله علينا (الآيات: ٧٨-