من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٠ - ولو اجتمعوا لن يخلقوا ذبابا
بينات من الآيات
اختلاف الشريعة ووحدة المشرع
[٦٧] لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ ذكر المفسرون: إن لكل أمة مناسك وطقوساً خاصة، تختلف من أمة إلى أخرى، وهذه الاختلافات لا تدل على اختلاف المشرع، أو على اختلاف الشريعة الإسلامية التي أتى بها كل الأنبياء وغاية ما في الأمر هو أن الله الذي أوحى بشريعة نوح قد نسخ هذه الشريعة بشريعة إبراهيم، ثم نسخ هذه الشريعة بشريعة موسى، ثم بشريعة عيسى، ثم نسخها بشريعة محمد صلى الله عليه واله.
هذا التفسير صحيح لكنه ليس كافياً، فهناك أحكام مختلفة بالرغم من وحدة الرسالة ووحدة النبوة، وهناك واجبات تختلف من فرد لآخر حسب أحواله وظروفه المكانية والزمانية والمعاشية وغيرها، ومن باب أولى أن تنسحب هذه المسألة على الشعوب والأمم، والمقياس الوحيد لتقدير هذه الظروف المختلفة هو وحي الله سبحانه، وما على الإنسان إلا الانصياع لمن له الخلق والأمر، وما دام الله هو رب الشرائع جميعاً، فلماذا الاختلاف إذن؟! لنتوجه إذن لإصلاح ما بيننا حتى يعم السلام والأمن ربوع المعمورة.
ولعلَّ الآية توحي بأن البحث عن جزئيات المناسك العبادية لا يجدي نفعاً، بل لا بد أن يكون الحديث حول أصل صدق الرسالة، فمتى ما أيقن المرء أن الرسول يدعو إلى الله عبر طريق مستقيم. فلا يجوز أن يجادل في الفروع.
وأنه لماذا الصلاة إلى الكعبة، وليس إلى المسجد الأقصى، ولماذا الصوم في شهر رمضان، وليس في أيام عيد الفطر، ولماذا لا يحرم الإسلام ما نهت عنه شريعة موسى، وما إلى ذلك مما كان الكفار يجادلون فيه، و يتخذونه ذريعة لجحودهم، ومما لا يزال بعض أنصاف المثقفين يتخذونه مادة للجدل العقيم، ويبررون به فسقهم عن الدين وكفرهم به.
وأساساً كلما منعت البشر العصبية عن منهج سليم، ولم تفلح أدلته في رده، أخذ يناقش في الجزئيات التي لا علم له بها والتي لا يستطيع أحد إقناع أحد فيها.
ولعلَّنا نستوحي من الآية: أن الأمة الواحدة مهما اختلفت طرائق وشيعاً فإنها تقوم على أساس منسك واحد، فالمنسك هو رمز مبدئية الأمة ووحدتها، فالمسلمون قد يختلفون في أي شيء إلا في الصلاة إلى الكعبة والحج إليها والصوم و .. و .. والمسيحيون يختلفون كذلك في كل شيء إلا في بيت المقدس ومجموعة مناسك يتفقون عليها مثلًا.