من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١ - وإن الساعة لا ريب فيها
رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً لأول وهلة تبدو هاتان الآيتان غير مترابطتين مع بعضهما، ولكن لنتدبَّر فيهما قليلًا ..
لما كانت الحياة تتطور باستمرار، كانت رسالات الله قد وضعت حسابات دقيقة لمتغيرات الزمان، وتطورات الأحداث، فيجب على الإنسان أن يضع الرسالة التي أنزلت عليه نصب عينيه في كل تصرفاته وأعماله، ولا يتركها لأن فلاناً قال كذا، أو أن السابقين عملوا هكذا.
والقرآن الحكيم يأمرنا بهذا في الآية الأولى، أما في الآية الثانية فأنه يوجهنا إلى موضوع دقيق، فيقول: إن على الإنسان ألا يضع لنفسه برنامجاً طويلًا المدى دون أن يحسب حساب متطورات الزمان في برنامجه، فالله سبحانه لا يأمر بشيء جامد، وإنما يأمر باتباع القيم التي تطبق في كل وقت بصورة معينة.
ليس لك أن تقول غداً سأعمل العمل الفلاني، لأنه قد يأتي الغد وتتطور الأحداث فيه، ويكون الواجب عليك عملًا آخر يختلف عما عزمت عليه، فعليك أن ترتبط بالله ورسالته- التي أنزلت عليك، والتي يفهمها عقلك- ارتباطاً وثيقاً مباشراً، ولا ترتبط بخطة معينة أو بتاريخ معين، أو بأفكار سابقة، أو بكتب مكتوبة، أو ببرامج جامدة، وهذا هو منتهى (التقدمية) في القرآن إن صح التعبير.
أما ربط العمل بالمشيئة فله معنيان
الأول: المعنى الظاهر والمعروف، وهو أن مواهبي وإمكاناتي كإنسان، وإمكانات الطبيعة وفرص العمل، كلها متصلة بإرادة الله سبحانه، فإن له أن يوفقني غداً لعمل أو لا يوفقني، وهذا الإستثناء بالمشيئة هو المعنى المألوف.
ومن هنا يقول الأمام علي عليه السلام
[عَرَفْتُ اللهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ وَ حَلِّ الْعُقُودِ وَنَقْضِ الْهِمَمِ]
[١]، أي أني عزمت على شيء فجاء القضاء وفسخ عزيمتي، وهممت بشيء فجاء القدر ونقض همتي.
الثاني: إن الله إذا أمرني غداً بهذا العمل فسوف أعمله، وإذا نهاني فسوف أتركه، فعملي وعدم عملي غداً مرتبط بما يأمر به الله غدا وليس اليوم. فقد يكون أفضل عمل اليوم هو الصلاة والتعبد في المسجد، ولكن غداً قد يكون أفضل عمل هو الجهاد، وربما كان بعده أفضل عمل أن أجلس على أريكة الحكم وأدير شؤون الناس. فعلي دائما أن أضع خططي حسب ما يأمر به الله
[١] نهج البلاغة: حكمة: ٢٤٧.