من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٢ - الجهاد حصن المقدسات
عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَكْمِلًا لِشَرَائِطِ الْإِيمَانِ فَهُوَ ظَالِمٌ مِمَّنْ يَبْغِي وَيَجِبُ جِهَادُهُ حَتَّى يَتُوبَ، وَلَيْسَ مِثْلُهُ مَأْذُوناً لَهُ فِي الْجِهَادِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الْمظْلُومِينَ الَّذِينَ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْقُرْآنِ فِي الْقِتَالِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
فِي المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ أُحِلَّ لهُمْ جِهَادُهُمْ بِظُلْمِهِمْ إِيَّاهُمْ وَ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ.
فَقُلْتُ: فَهَذِهِ نَزَلَتْ فِي المُهَاجِرِينَ بِظُلْمِ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ لَهُمْ فَمَا بَالُهُمْ فِي قِتَالِهِمْ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَمَنْ دُونَهُمْ مِنْ مُشْرِكِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ؟.
فَقَالَ عليه السلام
لَوْ كَانَ إِنَّمَا أُذِنَ فِي قِتَالِ مَنْ ظَلَمَهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَى قِتَالِ جُمُوعِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَغَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ سَبِيلٌ، لِأَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوهُمْ غَيْرُهُمْ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لَهُمْ فِي قِتَالِ مَنْ ظَلَمَهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لِإِخْرَاجِهِمْ إِيَّاهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَوْ كَانَتِ الْآيَةُ إِنَّمَا عَنَتِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ ظَلَمَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ كَانَتِ الْآيَةُ مُرْتَفِعَةَ الْفَرْضِ عَمَّنْ بَعْدَهُمْ، إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَالْمظْلُومِينَ أَحَدٌ، وَكَانَ فَرْضُهَا مَرْفُوعاً عَنِ النَّاسِ بَعْدَهُمْ إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَالْمَظْلُومِينَ أَحَدٌ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَنْتَ وَلَا كَمَا ذَكَرْتَ؛ لَكِنَّ المُهَاجِرينَ ظُلِمُوا مِنْ جِهَتَيْنِ ظَلَمَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَقَاتَلُوهُمْ بِإِذْنِ الله لهُمْ فِي ذَلِكَ، وَظَلَمَهُمْ كِسْرَى وَقَيْصَرُ وَمَنْ كَانَ دُونَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ بِمَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ، مِمَّا كَانَ المُؤْمِنُونَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ، فَقَدْ قَاتَلُوهُمْ بِإِذْنِ الله عَزَّ وَ جَلَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ [١]
. وَبِحُجَّةِ هَذِهِ الْآيَةِ يُقَاتِلُ مُؤْمِنُو كُلِّ زَمَانٍ وَإِنَّمَا أَذِنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَامُوا بِمَا وَصَفَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ الشَّرَائِطِ الَّتِي شَرَطَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ قَائِماً بِتِلْكَ الشَّرَائِطِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَهُوَ مَظْلُومٌ، وَمَأْذُونٌ لَهُ فِي الْجِهَادِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَمَنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَهُوَ ظَالِمٌ وَلَيْسَ مِنَ الْمَظْلُومِينَ، وَلَيْسَ بِمَأْذُونٍ لَهُ فِي الْقِتَالِ، وَ لَا بِالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ، وَلَا مَأْذُونٍ لَهُ فِي الدُّعَاءِ إِلَى الله عَزَّ وَ جَلَّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يُجَاهِدُ مِثْلُهُ، وَأُمِرَ بِدُعَائِهِ إِلَى الله، وَلَا يَكُونُ مُجَاهِداً مَنْ قَدْ أُمِرَ الْمُؤْمِنُونَ [٢]
بِجِهَادِهِ، وَحَظَرَ الْجِهَادَ عَلَيْهِ، وَمَنَعَهُ مِنْهُ، وَلَا يَكُونُ دَاعِياً إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ مَنْ أُمِرَ بِدُعَائِهِ مِثْلُهُ إِلَى التَّوْبَةِ، وَالْحَقِّ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ مَنْ قَدْ أُمِرَ أَنْ يُؤْمَرَ بِهِ، وَلَا يَنْهَى عَنِ
[١] قال المجلسي رحمه الله: [حاصل الجواب إنا قد ذكرنا أن جميع ما في أيدي المشركين كان من أموال المسلمين؛ فجميع المسلمين مظلومون من هذه الجهة المهاجرون ظلموا من هذه الجهة، ومن جهة إخراجهم من خصوص مكة].
[٢] وفي بعض النسخ:) أمر المؤمنين) ولعله الأوفق بالسياق لقوله (ومنعه منه (.