من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٨ - هكذا يحيط تدبير الله بالإنسان
إما إلى نبينا محمد صلى الله عليه واله وأما إلى من في جملة مَنْ كَانَ يَظُنُ.
ففي الحال الأولى يكون المعنى: أنه من كان يحقد على محمد صلى الله عليه واله، وما جاء به من رسالة الله ويشك في نبوته، ولا يعتقد بأن الله ناصره في الدنيا والآخرة، فليبذل كل ما في وسعه، وليجرب كل حيلة إلى ذلك، حتى لو استدعى ذلك أن يمد حبلًا من أعلى ويشنق نفسه، ثم لينظر: هل استطاع أن يتحدى إرادة الله بمنع رسوله أو بمنع رسالته فيشفي بذلك حقده وظنه؟.
أما في الحالة الثانية فإنَّ الآية تعني أن الله سبحانه ينصر الإنسان، ويحفظه ويعينه في الدنيا والآخرة. ومن كان يظن غير ذلك، فليذهب أن- ى يشاء، وليفعل ما يريد، حتى ولو شاء خنق نفسه (بمد حبل إلى السماء ثم قطعه) فإنه لن يقدر على تحدي سلطان الله، ولن ينفعه عمله وحقده على الله.
ولعلَّ الآية تتضمن تحدياً إعجازياً للبشر، فإذا كانوا يشكون في قدرة الله إذن فليخرجوا من ملكوت الله، ومن سننه وقوانينه الثابتة التي أخضع لها كل شيء، والتي يكرهون على الخضوع لها، ومن ثم لينظروا- بعد أن يستخدموا ك- ل إمكاناتهم وعلومهم- هل استطاعوا أن يخرجوا من ملكوت الله، أو هل تحرروا من قوانين الحياة المادية والمعنوية، فيشفوا بذلك غيظهم النابع من جهلهم الموجه ضد إرادة الله وسننه التي وضعت لمصلحتهم، والتي كان ينبغي عليهم أن يعملوا بموجبها ويشكروا الله عليها لأنها أهم مظاهر رحمة الله بعباده. فيكون معنى الآية: مدوا بحبل إلى السماء، فهل تقدرون على ذلك؟ والله العالم.
عندما صعد أول إنسان إلى القمر .. هل استطاع أن يخرج من إرادة الله؟! كلا .. إنه لا يستطيع ذلك حتى إنه لم ينس مشاكله العائلية مع زوجته، فقد صرح بعد نزوله إلى الأرض: كنت أفكر وأنا على سطح القمر في خلافاتي مع زوجتي .. وهل هي راضية عن عملي هذا الذي أقوم به أم لا؟.
هكذا يبقى الإنسان محكوماً بالأنظمة والقوى الطبيعية حوله، مادية كانت أم معنوية، شاء ذلك أم أبى، ولا يمكنه والحالة هذه إلا أن يمتثل لأمر مولاه. وإن تكبر واستنكف فلا يضر إلا نفسه.
وأخيراً لو تفكَّر الإنسان: من الذي يرزقه ويسبغ عليه النعم، ومن الذي يدفع عنه آلاف الأخطار التي تحمل في طياتها الموت والدمار، لوجد أنه هو الله الرزاق ذو القوة المتين، وما عداه ليس إلا أسباباً مخلوقة.