من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٠ - رب احكم بالحق
ولابد أن يلتقيها في يوم من الأيام، أما الإنسان الفاسد الذي لا يسير وفق سننه، فإنه من الطبيعي أن يفترق مع مسيرة الكون، وتكون بينهما هوة تتسع مع الزمن، والذي يسير وفق برامج الحق لابد أن يلتقي مع الكون، أما الذي يسير وفق أهوائه فإنه سوف يكون إما وبالًا على الكون فينشر فيه فساداً، أو يكون الكون وبالًا عليه فيهلكه أو يدمره.
إن سنن الله في الكون تطبق شئنا أم أبينا، وإن من يسير وفقها لابد أن يلتقي معها، بينما الذي يسير ضدها لابد أن ينتهي، وعنوان هذه السنن هو الصلاح، وقد بني الكون على الصلاح، والصالحون من عباد الله هم الذين يرثون الأرض، لأنهم يطبقون سنن الله فيها.
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ ما هو الزبور والذكر، ولماذا خصهما الرب بالذكر، أو ليست هذه سنة إلهية نوهت بها رسالات الله جميعاً؟ بلى، ولذلك احتمل بعض المفسرين أن يكون الذكر هنا هو القرآن بينما الزبور كل ك- تاب هبط قبله، فيكون إذن معنى مِنْ بَعْدِ الذكر ما يساوي قولنا بالإضافة إلى القرآن.
ولكننا نستظهر من لفظة الزبور نفس معناها عندما استخدمت في موردين، وأريد بها كتاب داود.
بينما نستوحي من آية سابقة في هذه السورة: إن الذكر يطلق على التوراة، ويبقى السؤال إذا بماذا اختصَّ داود عليه السلام من بعد موسى عليه السلام بهذه البشرى؟.
والجواب- كما يبدو لي-: إن الله أنقذ بني إسرائيل، أولئك القوم المستضعفون من سلطة فرعون، وعلى يد النبي موسى عليه السلام، وأورثهم أرض الظالمين.
كما أعطى لداود حكماً وهيأ له أسباب القدرة، فكان من المناسب أن يذكرهما، بأن وراثة كل الأرض تكون للصالحين: أولًا لكي يكون ما تحقق فعلًا على عهدهما شاهداً على ما يتحقق في المستقبل جرياً على نهج القرآن في الإرتقاء بالقارىء من الحقائق المشهودة الحاضرة، إلى الغيب الأوسع مدى، وثانياً ليعلم كل مؤمن بأن الله سوف يورث الأرض للصالحين من عباده كما فعل في عهد داود وموسى، فيكون ذلك أملًا يبعثه إلى المزيد من النشاط، وبصيرة كونية لمعرفة حركة الكائنات التي تنتهي إلى وراثة الأرض جميعاً.
هكذا نستوحي من الآية فكرتين
أولًا: إن كل مجم- وعة مؤمنة تعبد الله بحق، وتكون صالحة، تستحق أن ترث أرضها.
ثانياً: إن كل الأرض سوف تسعد بحكومة عادلة، إلهية، وهذه هي التي نجدها فيما