من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١ - وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا
الإنسان نفسه، فلو تحرك الإنسان إلى ربه خطوة فسوف يتقدم إليه ربه فراسخ وأميالًا.
إن فتية الكهف حينما تركوا قومهم، والتجؤوا إلى الكهف طلباً لرحمة الله سبحانه وتعالى، فإنَّ الله وسع عليهم الكهف، وأبعد عنهم الشمس حتى لا تحرقهم أشعتها، فكانت تشرق عن يمين كهفهم وتغرب عن شماله، بحيث تمنحهم الأشعة اللازمة للحياة دون أن تؤذيهم.
ومن ناحية أخرى فقد جعل الله نومهم بحيث، كانوا يتقلبون بسبب خفة نومهم، وهذا بدوره من رحمة الله سبحانه وتعالى، لأنَّ بقاءهم على حالة واحدة كان سيضر بأجسامهم كما أنَّه يخرق ثيابهم.
أما كلبهم فقد كان يربض أمام باب كهفهم باسطاً ذراعيه، كما يفعل عادة عندما يجلس للمراقبة، وكان الذي يمر عليهم يحسب أن هؤلاء مجموعة من الناس، جاؤوا إلى هذا المكان للقيلولة، ثم الذهاب إلى عملهم، لأن نومهم خفيف، والكلب موجود، وهم يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال بالرغم من استيلاء النوم عليهم.
فقد حماهم الله سبحانه وتعالى من الأعداء بسبب الرعب، فالحيوانات كانت تخاف من الكلب، أما الناس فكانوا يرتعبون لأنهم إذا اطلعوا على هذا الكهف وقد نام فيه هؤلاء، يرون وكأن أبطالًا يربضون فيه فيولون عنهم فراراً، ويمتلؤون منهم رعباً.
لقد أبقاهم الله أجيالًا وقروناً على هذه الحالة، حتى تشابهت حالتهم مع حالة الموتى، لأنَّ الله لما أيقظهم عبَّر عن ذلك بالبعث.
جلس هؤلاء من النوم، وبعد أن انهوا تساؤلهم عن مدة نومهم، وحيث بلغ أقصى تقدير لهم أنهم ناموا يوماً أو بعض يوم شعروا بالجوع، وكان أحدهم يملك نقوداً وكانت عبارة عن سكة فضية، فتنكَّر بأن لبس ملابس الراعي وأخذ تلك النقود، وذهب إلى المدينة ليجد أمامه المفاجأة، فقد لاحظ أن المدينة تغيرت وأن الأوضاع تبدلت.
كما أن النقود التي كان يحملها كشفت حقيقته وحقيقة جماعته، لأنَّ حاشية الملك وأعوانه لما افتقدوا هؤلاء كان بعضهم وزراء و إداريين كبار، بحثوا عنهم في كل مكان فلم يجدوهم، فنشر ذلك الخبر كحادثة مهمة وكتب ذلك في تاريخهم، و كانت الأجيال تحفظ هذه القصة الغريبة وتتناقلها، إلى أن جاء هذا الوزير متنكراً بلباس الراعي، ومعه تلك النقود المنقوش عليها صورة الملك في ذلك العصر، فعرف الناس أنهم هم الذين يذكرهم التاريخ المدون لديهم.