من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٧ - نفحات العذاب علائم المسؤولية
يفعلون ذلك.
[٥٤] قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ لقد نسف إبراهيم بكلمة واحدة عقيدتهم المهزوزة، وتركهم في حيرة من الأمر، والآية التالية تدل على إنهم لم يكونوا على شيء في دينهم.
[٥٥] قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنْ اللَّاعِبِينَ لقد أصابتهم كلمة إبراهيم في الصميم، فطرحوا عليه هذا السؤال كمن يعطي نفسه فرصة لإعادة ترتيب أوراقه ولملمة خواطره المتناثرة.
إن التساؤل أَمْ أَنْتَ مِنْ اللَّاعِبِينَ يُشير إلى وجود دعوات تحررية، أو تُذكِّر بالتوحيد، لكنها لم تك تمتلك حجج تطاول طغيان المجتمع وإنحرافاته أو لم يمتلك دعاتها رصيداً واستقامة عليها، مما يجعلهم أشبه بالمغامرين أو اللاعبين.
[٥٦] ولكن إبراهيم واصل حجته القوية المنطقية، وأطبق عليهم بهذه الحقيقة الصارخة التي لا سبيل لإنكارها قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ لا أحد من آلهتهم كان يدعي أنه خلق السماوات والأرض، أو أنه خلقهم. ولذلك فلابد أن يكون الإله الحقيقي لهذا الكون غير الأصنام الصماء البكماء. وهكذا أصَّر إبراهيم عليه السّلام إنه ليس لاعباً، وليس حديثه من نوع حديث المراهقين الذين يشكون الضعف في عقولهم- حاشاه-، بل إنه يدعو وبجد إلى رب السماوات والأرض، وهو شاهد على صدق دعواه، بثبات قوله، وشجاعة طرحه، واستعداده للتضحية، وسلامة نهجه وصدق مواقفه، وسعادته وفلاحه.
وهنا دحض حجتهم بالكامل، وانقطعوا عن أي جواب، ولكن النفس البشرية ليست من البساطة بحيث تؤمن بالحق أول ما تراه، فهناك عوامل معقدة ومتشابكة اجتماعية وثقافية واقتصادية، تنشأ عنها مصالح واعتبارات يخيل نظرياً للإنسان بأنه لا يستطيع التخلي عنها. إنهم عرفوا الحقيقة وانجلت أمام أعينهم، ولكن اتباعها يتطلب منهم أن يضحوا بالكثير من مكاسبهم المادية، كالجاه والسلطة والثروة وغيرها. ولذلك لم يبادروا بإعلان قبولهم بالحق وخضوعهم له، بل أنهم لاذوا بالصمت كمن ينحني لتمر العاصفة بسلام، ثم يواصل دربه.
[٥٧] ولكن إبراهيم لم يسكت، ولم يفسح لهم المجال للاسترسال في الصمت والتقليد والخوض في الباطل مع الخائضين، بل قال وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ أي سأحطمها بعد أن تذهبوا لحضور اجتماعات عيدكم. وكان هذا القيد الزمني بسبب إن