من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٢ - سلبيات النفس البشرية
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وتدل هذه الآية على أن الصلاة ليست عبادة فردية يؤديها الفرد تجاه ربه فقط، بل هي أيضاً عمل اجتماعي متكامل الأركان، نستفيد ذلك من كلمتي (الأمر، والاصطبار)، فالأولى تدل على ضرورة الالتزام الاجتماعي بهذه الشعيرة، بينما تدل الثانية على أن الصلاة تتطلب أعمالًا أخرى فيها مشقة وتعب، فهي بحاجة إلى الصبر والاستمرار.
فالصلاة على سبيل المثال تحتاج إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والالتزام الحاد بتعاليم الشريعة في كافة مجالات الحياة، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية و .. و ..
ونهتدي من الآية إلى أن الصلاة باب من أبواب الرزق، كما أن فائدتها تعود على مقيمها، مما يجعل الإنسان يقبل عليها بشوق وتلهف، لأنَّ وراءها الرزق والخير أيضاً.
وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى لكي نوضِّح بعداً من أبعاد هذه العبارة القرآنية نضرب المثل التالي: قد يأكل الإنسان أكله شهية، ولكنها تحتوي على ميكروب لا تراه عينه، فهو وإن شعر باللذة الآنية، إلا أنه سيجد نفسه طريح الفراش في المستقبل القريب، بسبب تكاثر الميكروب، والآلام التي يسببها، مما يجره إلى إنفاق الكثير من الوقت والمال بين الأطباء والمستشفيات طلباً للصحة، بينما يأكل آخر أكله متواضعة ولكنها نظيفة فيحصل على فوائدها.
إن المفاسد الاجتماعية تشبه الميكروب في الطعام، فالإنسان الذي يكتسب المال عن طريق الحرام، كالسرقة، والاحتيال على الناس، هذا وإن حصل على كثير من المال، فإنَّ عاقبته غير حسنة على صعيد الدنيا حيث يبغضه الناس، وقد يقع ضحية لظلم الآخرين وسرقتهم واحتيالهم، إذ كما أن في المجتمع من هو أضعف منه يمارس تجاهه الظلم، فكذلك فيه من هو أقوى منه يستطيع أن يظلمه، لكل عمل انعكاسا اجتماعياً يشبه أمواج الصوت، ترتد إلى صاحبه قريباً أو آجلًا، ذلك لأنَّ المجتمع وجود حي يتفاعل أعضاؤه فيما بينهم، فمن عمل بالظلم فإنه يكرِّس قانون الظلم في مجتمعه، وسيصبح في يوم ضحية هذا القانون، وقد جاء في حديث عن أبي عبد الله عليه السلام قال
[لَمَّا أَقَامَ الْعَالِمُ الْجِدَارَ أَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: أَنِّي مُجَازٍ الْأَبْنَاءَ بِسَعْيِ الْآبَاءِ إِنْ خَيْرٌ فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرٌّ فَشَرٌّ لَا تَزْنُوا فَتَزْنِيَ نِسَاؤُكُمْ وَمَنْ وَطِئَ فَرْشَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وُطِئَ فِرَاشُهُ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ] [١].
أما الإنسان الذي يتقي، فإنه وإن لم يحصل إلا على قليل من المال لكنه يحس بالبركة والراحة الدائمة في الدنيا، كما يكون سعيداً في الآخرة برضى الله وجنته.
[١] بحار الأنوار: ج ٧٦ ص ٢٧.