من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٣ - الحركة الرسالية وأساليب الدعوة
القول اللين أوسع من هذا المعنى، فإنه يشبه الماء الذي ينفذ في كل مكان ممكن، فهو يبحث عن الثغرات في قلب الطرف المقابل للنفوذ من خلالها، فهو ليس أسلوباً واحداً، إنما هو الحكمة في اختيار الأسلوب المناسب في الوقت المناسب.
[٤٦] قَالَ لا تَخَافَا بعد أن بيَّن القرآن هاتين المشكلتين (الطغيان، الخوف) وحلهما، أعطى حلًا للمشكلة النفسية عند الداعية، وهي مشكلة الخوف.
إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى عندما يطلب الله منهما عدم الخوف، فإنه يوفر لهما سبل نجاح دعوتهما، والحفاظ عليهما، وهذا ما قضاه الله حين قال إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى، والذي يسمع هو القريب، والذي يرى هو الشاهد، ولعلَّ معنى الآية: إني أسمع القول، وأرى الفعل.
الجانب الاجتماعي للرسالة
[٤٧] فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ لقد حملت الرسالة الإلهية إلى الإنسانية المعذبة بشرى العدالة، أو ليست الرسالة الإلهية تنزل من أجل إصلاح ما فسد من حياة الناس، أو ليس فساد المجتمع الفرعوني الأخطر هو العنصرية، واستضعاف طائفة من الناس .. هم بنو إسرائيل، هكذا جاءت الرسالة تأمر فرعون الطاغية بهدم أساس حكمه، وإطلاق حرية الفئة المستضعفة.
قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى الهدى هو الإسلام، والإسلام يعني السلام، ولا يمكن أن يتحقق السّلام من دون الهدى، فمن الخطأ أن يتصور البعض بأن السّلام يتحقق عن طريق الظلم.
الإسلام يرفض هذه الفكرة ويقول: إن السّلام يجب أن يقام على أساس (الهدى) وإنه من دون الهدى لا سلام، والحرب والصراع سيبقيان حتى يتحقق الهدى.
[٤٨] إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى يبدو من السياق: أن الفكرة الثانية التي طرحتها رسالة الله هي فكرة المسؤولية، وأن البشر مجزي بعمله، فله السّلام إن اتبع الهدى، وعليه العذاب إن كذب وتولى، وهذه الفكرة التي تؤكدها فطرة البشر، هي حجر الأساس في بناء صرح الثقافة السليمة.
[٤٩] قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى كان البشر عبر التاريخ يعتقدون بالله رب السماوات والأرض، ولكن اعتقادهم كان أبداً مشوباً بالشرك، لذلك يطرح هذا السؤال: ماذا أراد فرعون