من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١١ - الحركة الرسالية وأساليب الدعوة
ثالثاً: الرجعية (والحنين إلى سيرة القرون الأولى).
وتعالج آيات هذا الدرس هذه العقبات
أول كلمة قالها الله لموسى وهارون عليه السلام حينما أمرهما بدعوة فرعون إلى الهدى هي إِنَّهُ طَغَى، وطغيان فرعون جاء من إحساسه بالاستغناء، فكلما أحس الإنسان بعدم الحاجة، وزعم أن حاجاته تتحقق يطغى، فأمر الله سبحانه وتعالى موسى وهارون عليهما السلام بمعالجة الطغيان عن طريق التذكرة والتوجيه، وبيان حاجة فرعون الحقيقية، بالرغم من زعمه بعدم الحاجة، ثم عالج السياق العقبة الثانية، الاستهزاء ببيان أن الجزاء لواقع، وأن الإنسان لمسؤول عن مواقفه، لأن الإنسان لا يبالي مادام لا يعلم أن عليه جزاء، أما إذا عرف أنه سوف يجزى بمواقفه، فسوف يعود إلى رشده.
أما العقبة الثالثة وهي الحنين إلى الماضي، والخوف من تطويره، فقد عالجها القرآن الحكيم ببيان إن كل الحياة ماضيها وحاضرها ومستقبلها محكومة بإرادة الله، وأن تدبير الله وتقديره وقضاءه يحيط بالحياة إحاطة كاملة، وأن القرون الماضية لا يجب أن تقدس تقديساً مطلقاً، بل إن علمها عند الله، فإذا كانت تلك القرون في طريق الحق فهي لأجل الحق مقدسة، أما إذا كانت في طريق الباطل فعليها لعنة الله لأنها لم تتبع الحق.
هذا ولقد جاءت رسالات الله لتعالج أيضاً كل عقبة أو شذوذ في حياة البشر، إن فرعون كان قد استعبد بني إسرائيل كعنصر مخالف لعنصره، فعالج القرآن هنا هذه العقبة أيضاً ببيان أن بني إسرائيل يجب أن يتحرروا، وبالرغم من أن هذه العقبات ذات أبعاد مختلفة، بعد اجتماعي، وبعد سياسي، وبعد ثقافي و .. و .. إلخ، لكن الآيات الكريمة في سورة طه- كما يبدو- تركز الضوء على البعدين النفسي والثقافي أكثر من أي بعد آخر.
بينات من الآيات
كيف يعالج القرآن الطغيان؟
[٤٣] اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى الإنسان الذي يطغى إنما يطغى لإحساسه بعدم الحاجة، وإن الآخرين محتاجون إليه، فإذا أحس الإنسان بحاجته انحسر عنه الطغيان.
والطغيان يأتي بسبب إحساس الإنسان بأن أهدافه في الحياة قد تحققت، وأن طموحه قد