من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٧ - موسى عليه السلام بين يدي العناية الإلهية
أخذ فرعون هذا الطفل الصغير من بني إسرائيل فألقى الله محبته في قلبه، ولكنه مع ذلك تجلد، وقال: أيها الجلاد اضرب عنقه، لأنه عرف أن ملامحه هي ملامح بني إسرائيل، فتدخلت زوجته آسية بنت مزاحم وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [القصص: ٩]. وقبل فرعون ترجي زوجته، وبعث إلى من حوله من المراضع فجئن، ولكن موسى عليه السلام هذا الطفل الصغير أبى، أن يرتضع من أي ثدي، وهنا جاءت أخته التي أمرت من قبل أمه بأن تقص أثر التابوت، وتمشي وراءه، وكانت واقفة بباب فرعون حين بعث إلى من حوله من المراضع، فأدخلت وقالت: أني أعرف من يرضعه ويكفله لكم.
العودة إلى الأم
فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ تقر عين الأم بوجود طفلها وتطمئن، ويستفيد الطفل من هذا الاطمئنان. والقرآن يشير هنا إلى حنان الأمومة الضروري لتنمية مواهب الطفل، لأنَّ الطفل لا يفهم شيئاً آنئذ، ولكن الأم وحدها هي التي تفهم مدى حنانها إلى طفلها، وإن الطفل قرة عينها وإن افتقاده يسبب حزناً لها.
في محنة القتل
مرة أخرى ينجي موسى من الخطر المعنوي فيقول وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً أنقذه الله سبحانه وتعالى مرة أخرى من الموت، ولكنَّ الله لم ينقذه من الموت فقط، بل أنقذه أيضاً من الغم، حيث إن موسى عليه السلام بعد أن قضى في صراعه على القبطي، اغتم بسبب هذه الفعلة، والقلب المصاب بالغم لن يكون مستعداً لتلقي الرسالة، فأنجاه الله من هذا الغم، لكي يكون مستعداً لتلقي زخات الرسالة، وكم نجَّانا الله وأنقذنا من أمثال هذا الغم، الذي يسبب تراكمات في النفس، وبالتالي عقداً نفسية تحجب الإنسان عن فهم الرسالة.
فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى أي بقي عشر سنين في مدين عند عمه شعيب، ثم بعد انتهاء هذه السنوات العشر جاء على قدر .. يعني جاء وقد قدَّر الله مجيئه تقديراً.
ونحن نحسب أن كثيراً من أعمالنا إنما هي صدفة، بينما هي أقدار من الله سبحانه، وهكذا قدَّر لموسى أن يأتي بعد عشر سنوات، وأن يتيه في الصحراء، وتلد زوجته، ويحتاج إلى قبس من النار .. قدَّر له كل ذلك، ثم جيء به لاستقبال الرسالة.