من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠١ - موسى عليه السلام يحمل رسالات الل - ه
يغيب عن قومه.
[٣٢] وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي أي يتحمل جزءاً من مسؤولياته حتى عند وجوده.
[٣٣] كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً التسبيح هو تنزيه الله كما جاء في الحديث: أنه سئل الإمام أبو عبد الله عن معنى سبحان الله؟ فقال: تنزيهه [١].
[٣٤] وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً ولا يعني ذكر الله مجرد تحريك اللسان، بل جعل الله مراقباً في السر والعلن، ويدل على ذلك الحديث الشريف: قال أبو عبد الله عليه السلام
[مَا ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُ بِشَيْءٍ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ خِصَالٍ ثَلَاثٍ يُحْرَمُهَا
. قِيلَ: ومَا هِيَ؟. قَالَ عليه السلام
المُوَاسَاةُ فِي ذَاتِ يَدِهِ، والْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِهِ، وذِكْرُ الله كَثِيراً. أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ لَكُمْ: سُبْحَانَ الله والْحَمْدُ لله ولَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ واللهُ أَكْبَرُ، ولَكِنْ ذِكْرَ الله عِنْدَمَا أَحَلَّ لَهُ وعِنْدَ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ] [٢].
[٣٥] إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً بأعمالنا وتصرفاتنا، ولعلَّ هذه الآيات توحي بأن هدف موسى وهارون لم يكن السيطرة بل تطبيق واجبات الرسالة.
ونتساءل: ما الذي دعا موسى عليه السلام إلى أن يطلب من الرب وزيراً كهارون عليه السلام؟ الجواب: أن موسى عليه السلام عرف منذ البدء أبعاد الرسالة التي سوف يحملها، والصعاب التي تعترضه في سبيل تبليغها، والضعف الذي اعترى قومه من بني إسرائيل نتيجة الاستعباد مدة طويلة، والقوة التي طغى بها أعداؤهم من الأقباط بقيادة فرعون.
وكان يشعر- لذلك- بالحاجة إلى من يسند ظهره، ويطبق واجبات الرسالة بلا تردد، فيكون إماماً في الطاعة، وقدوة في تنفيذ أوامر القيادة، فلم يجد أفضل من أخيه هارون.
وهكذا كل صاحب دعوة بحاجة إلى شخصية تتجلى فيه رسالته ويكون مثلًا أعلى لها، كما كان هارون لموسى، وآصف بن برخيا الذي أوتي علماً من الكتاب لسليمان، ويحيى لعيسى ابن مريم، وكما كان علي بن أبي طالب عليه السّلام للنبي محمد صلى الله عليه واله، وهكذا نجد الرسول يكرر
[إِنَّمَا أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي]
. ولقد حدثت واقعة تاريخية: أظهرت الحاجة إلى ذلك. حيث إن النبي لما أراد الخروج
[١] معاني الأخبار: ص ٩.
[٢] الكافي: ج ٢ ص ١٤٥.