من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٠ - الإطار العام من هو الإنسان؟
الإنسان بين شهوة الملك ونزعة الخلود
الإنسان الذي قد ينحرف بسبب غريزتيه الذاتيتين وهما غريزتا حب الخلود وحب الملك، هذا الإنسان نجده عند فرعون وقد اكتملت فيه أسباب الانحراف حتى أوصلته إلى أبعد ضلالة، ونجده عند موسى عليه السلام وقد قاوم الغريزتين فاكتملت فيه صفات الاستقامة، ونجده في الصراع بينهما الذي يتمخض عن مفاجأة هامة، هي السحرة الذين انحرفوا حتى وصلوا في انحرافهم إلى حد أنهم أصبحوا أدوات بيد الطاغوت فرعون، ثم مرة واحدة وبسبب تلك الإنسانية الكامنة فيهم وصلوا إلى القمة.
هذا هو الإنسان، والقرآن يركز الضوء على هذا الإنسان، ليس بصورة عامة كما نلاحظ ذلك في سورة الإعراف مثلًا، بل بصورة خاصة يركز الضوء على علاقة الإنسان بهدى الإله، ومن الذي ينقذ الإنسان في صراعه مع الطبيعة والشهوات، وكيف ينبغي للإنسان أن يتحدى الطبيعة، وبماذا؟.
ومهما يكن؛ فإن مقدمة السورة تبحث موضوعات شتى، ولا غرابة. ومن الملفت للنظر إن الآيات الأولى والأخيرة من سور القرآن قد تبدو موضوعات غير منسجمة بادئ الأمر، إلا أنها- عند التأمل- نجدها ترمز إلى كل الموضوعات التي نجدها في السورة ببلاغة نافذة وقول فصل.
وفي آيات هذه السورة المباركة إشارات دقيقة إلى موضوعات خفية، ينبغي أن نتدبر فيها، لنعرف أسباب رقي الإنسان، وما هي العوامل التي لو التزم بها لاستطاع أن يتحدى ويقاوم طبيعته، وبالتالي لاستطاع الوصول إلى الجنة.
فالآيات: (١- ٨) في هذه السورة تشير إلى دور الرسالة، وأنها جاءت لسعادة الإنسان، وأن صاحب الرسالة لا ينبغي أن يقضي على نفسه من أجل هداية الناس، بل يكفيه أن يذكِّرهم.
ثم تتطرق (الآيات: ٩- ٣٦) إلى مجموعة من الأسرار التي تقف وراء اصطفاء الله سبحانه وتعالى أنبياءه على الناس، وذلك من خلال سيرة النبي موسى عليه السلام كعينة جلية واسعة التفاصيل، بالإضافة إلى تبيينها مجموعة الخصال الأخلاقية التي ينبغي أن يتمتع بها الأنبياء فضلًا عما يمكن لهؤلاء الرسل الربانيين أن يترجموا أخلاقياتهم تلك في إطار سلوكياتهم ومواقفهم من الناس، ولا سيما الظالمون منهم.