شرح المنظومة ت حسن زاده آملي - السبزواري، الملا هادي - الصفحة ١٠٣ - الفريدة الأولى في حقيقة الجسم الطبيعي
المقصد الرابع في الطّبيعيات [١] و فيه فرائد
[١] ابتدأ المعلّم الأول في تعليمه- أي في كتابه المسمى ب «التعليم»- بالطبيعيات، و كذلك قدّم الشيخ الرئيس في الشفاء و الإشارات البحث عن الطبيعيات على الإلهيات. و لا يخفى عليك أن الإلهيات لكونها عللا للطبيعيات أقدم في الوجود بالقياس إلى نفس الأمر، و تقديم الطبيعيات كان نظرا إلى تسليك المتعلّم من محسوساته المأنوسة إلى ما فوقها من المغيبات، كما قيل في المثل السائر: «إن الإيناس قبل الإبساس»، و أنت تعلم أن دأب التعليم هو التدرّج من المحسوسات إلى المعقولات، و من الأسهل الأقرب إلى الأصعب الأبعد، و لكن المصنف قدّم الإلهي على الطبيعي ليوافق الوضع الطبع كما سيصرح به بعد أسطر بقوله: «و نحن و إن قدمنا الإلهي ليوافق الوضع الطبع ...» و قد اقتفى صدر المتألهين في ذلك، و كأن في لفظة «نحن» إيماء إلى ذلك الاقتفاء.
ثم إنّ الشيخ جعل البحث عن النفس بين الطبيعيات المحضة و بين ما وراءها نظرا إلى أن النفس جسر ممدود بين الدنيا و الآخرة من حيث إنها جوهر روحاني له تعلق بالبدن الطبيعي و عالم الشهادة، و الإنسان من شأن الدنيا و الآخرة، فمن عرف النفس حق المعرفة فقد عرف النشأتين. و لا يخفى عليك حسن صنيعة الشيخ و من حذا حذوه في ذلك.
و قد أجاد الحكيم الرباني أنباذقلس في ذلك- كما نقله عنه الشهرزوري في نزهة الأرواح- حيث قال: «إن من رام أن يعرف الأشياء من العلو- أعني من الجوهر الأول- عسر عليه إدراكها، و من طلبها من أسفل عسر عليه إدراك العلم الأعلى لانتقاله من جوهر كثيف إلى جوهر في غاية اللطف، و من طلبها من المتوسط- و عرف المتوسط كنه المعرفة- أدرك به علم الطرفين و سهل عليه الطلب» (نزهة الأرواح- ط حيدرآباد الدكن- ج ١- ص ٥٣.). و أراد بالمتوسط معرفة النفس الإنسانية.
تبصرة: قد تقدم كلامنا آنفا من أن المصنف قد اقتفى صدر المتألهين في تقديم الإلهي على الطبيعي ليوافق الوضع الطبع، فليعلم أن مجلدات الأسفار كلها في الإلهيات، و ما هو دائر في ألسنة الأحداث من أن المجلد الثاني من الأسفار في الطبيعيات فهو هزل لا حقيقة له، و كذلك ما جاء في أول الجواهر و الأعراض منه من جملة «المرحلة في علم الطبيعي» فهو حشو لا حقيقة له كما حققناه في تعليقاتنا على الأسفار (ج ١- ص ١٩)، و في أول الجواهر و الأعراض منه. و حيث إن صاحب الأسفار قدّم العلم الكلي أي الفنّ الأعلى على الجواهر و الأعراض تفوّهنا بأن المصنف اقتفى صاحب الأسفار في ذلك، فافهم و تبصّر. (ح. ح)