شرح المنظومة ت حسن زاده آملي - السبزواري، الملا هادي - الصفحة ١١٧ - غرر في ذكر الأقوال في حقيقة الجسم الطبيعي
[٩٤] غرر في ذكر الأقوال في حقيقة الجسم الطبيعي [١] [٢]
[١] الأسفار، ج ٥، ص ١٦ فصل ١، ط ٣ بيروت. (م. ط)
[٢] قد اختلفوا في حقيقة الجسم الطبيعي على أقوال، و المشاء على أنه جوهر مركب من جوهرين أحدهما الهيولى و الثاني الصورة الجسميّة، و هو مختار المصنف و ينطق في الكتاب على هذا المذهب.
و ستأتي الإشارة إلى نقل طائفة من تلك الأقوال في حقيقة الجسم الطبيعي في أثناء المباحث الآتية.
و الجسم الطبيعي هو ما نراه و نمسّه في عالمنا هذا من الحجر و الشجر و المدر و الثلج و الجليد و النار و الأرض و الهواء و المياه و الأجرام العلوية من الكواكب و الشمس و القمر و نحوها، و إن كنا لا نرى و لا نحسّ أولا إلا سطوح الأجسام و أعراضها و أحوالها و أوصافها، و لكننا بعد ذلك ندرك البعد الجوهري بين تلك السطوح مثلا و كذلك من إدراك تلك الأحوال و الأوصاف و الأعراض ندرك البعد الجوهري الذي بين السطوح.
و إنما قيد الجسم بالطبيعي احترازا عن الجسم التعليمي فإنّ الجسم يطلق بالاشتراك اللفظي- أي الاسمي- على معنيين أحدهما ما يسمى جسما طبيعيّا و قد تقدمت الإشارة إلى تعريفه من أنه جوهر يمكن أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة متقاطعة على زوايا قائمة، و ثانيهما الجسم التعليمي و هو الكم المتصل الساري في الجسم الطبيعي و القائم به.
و لك أن تخيل الطول و العرض و العمق جميعا من غير نظر إلى الموضوع حتى يحصل لك الجسم التعليمي. فالجسم التعليمي هو نفس الأبعاد من غير التفات إلى شيء من المواد و أحوالها.
و إنما سمي هذا القسم تعليميا لكونه مبحوثا عنه في العلم التعليمي أعني الرياضي. و في وصف الجسم بالتعليمي دون الرياضي إشارة إلى تعبير القدماء بذلك و اهتمامهم في ابتداء التعليم بالرياضيّات و كانوا يعبّرون عن الكتب الرياضية بكتب التعاليم، و ذلك لأن العلوم الرياضية سيما الهندسة منها نعم العون على تعديل الفكر و تقويمه عن الاعوجاج و الانحراف، و قد أفاد ابن خلدون في ذلك في مقدمة تاريخه بقوله المتين القويم:
«اعلم أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله و استقامة في فكره لأنّ براهينها كلّها بيّنة الانتظام جلية الترتيب لا يكاد الغلط يدخل أقيستها لترتيبها و انتظامها، فيبعد الفكر بممارستها عن الخطإ، و ينشأ لصاحبها عقل على ذلك المهيع. و قد زعموا أنه كان مكتوبا على باب أفلاطون من لم يكن مهندسا