الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣٠ - خبره مع حاجب الفيل عند يزيد
فإني امرؤ من عصبة ما زنيّة
نماني أب ضخم كريم المركّب
قال: فأمر له يزيد بدرع و سيف و رمح و فرس، و قال له: قد عرفت ما شرطت لنا على نفسك؟ فقال: أصلح اللّه الأمير، حجّتي بيّنه، و هي قول اللّه عزّ و جلّ:/ وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ. أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ. وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ. فقال [له] [١] ثابت قطنة: ما أعجب ما وفدت به من بلدك في تسعين ليلة! مدحت الأمير ببيتين، و سألته حوائجك في عشرة أبيات، و ختمت شعرك ببيت تفخر عليه فيه، حتى إذا أعطاك ما أردت حدت عمّا شرطت له على نفسك فأكذبتها كأنّك كنت تخدعه، فقال له يزيد: مه يا ثابت، فإنّا لا نخدع، و لكنا نتخادع، و سوّغه [٢] ما أعطاه، و أمر له بألفي درهم. و لجّ حاجب يهجو ثابتا فقال فيه:
لا يعرف الناس منه غير قطنته
و ما سواها من الأنساب مجهول
خبره مع حاجب الفيل عند يزيد
قال: و دخل حاجب يوما على يزيد بن المهلّب، و عنده ثابت قطنة و كعب الأشقريّ- و كانا لا يفارقان مجلسه- فوقف بين يديه فقال له: تكلّم يا حاجب، فقال: يأذن لي الأمير أن أنشده/ أبياتا، قال: لا حتى تبدأ فتسأل حاجتك، قال: أيها الأمير، إنه ليس أحد و لو أطنب في وصفك موفّيك حقك، و لكنّ المجتهد محسن، فلا تهجني بمنعي الإنشاد، و تأذن لي فيه، فإذا سمعت فجودك أوسع من مسألتي. فقال له يزيد: هات، فما زلت مجيدا محسنا مجملا. فأنشده:
كم من كميّ في الهياج تركته
يهوي لفيه مجدّلا مقتولا [٣]
جلّلت مفرق رأسه ذا رونق
عضب المهزّة صارما مصقولا [٤]
قدت الجياد و أنت غرّ يافع
حتى اكتهلت و لم تزل مأمولا
كم قد حربت و قد جبرت معاشرا
و كم امتننت و كم شفيت غليلا [٥]
/ فقال له يزيد: سل حاجتك، فقال: ما على الأمير بها خفاء، فقال: قل، قال: إذا لا أقصر و لا أستعظم عظيما أسأله الأمير أعزّه اللّه مع عظم قدره، قال: أجل، فقل يفعل، فلست بما تصير إليه أغبط منا، قال: تحملني و تخدمني [٦] و تجزل جائزتي، فأمر له بخمسة تخوت [٧] ثياب و غلامين و جاريتين و فرس و بغل و برذون و خمسة آلاف درهم، فقال حاجب:
شم الغيث و انظر ويك أين تبعّجت
كلاه تجدها في يد ابن المهلّب [٨]
[١] عن ط، مط.
[٢] سوّغه ما أعطاه: تركه له خالصا.
[٣] الكمي: الشجاع المتكمي في سلاحه، المتغطي به. جدّله: صرعه.
[٤] جللت ...: أي علوته بسيف ذي رونق قاطع.
[٥] حربه يحربه حربا، كطلبه يطلبه طلبا: أخذ ماله و تركه بلا شيء.
[٦] أخدمه: أعطاه خادما يخدمه.
[٧] تخوت: جمع تخت، و هو وعاء تصان فيه الثياب.
[٨] شام البرق: نظر إليه أين يمطر. ويك: وى اسم فعل بمعنى أعجب، و الكاف للخطاب أو أصله ويلك و حذفت اللام لكثرة الاستعمال. تبعج السحاب بالمطر: انفرج عن الوبل الشديد، و كلية السحاب: أسفله، و الجمع كلي.