الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٢٢ - شعره في صديق تغير عليه
و إن يك غير ذاك حمدت ربّي
و زال الشكّ عن رجل حكيم [١]
و ما الآمال تعطفني عليه
و لكنّ الكريم أخو الكريم
قال: فلمّا أنشدته هذا الشعر، قال لي: بمثل هذا الشعر تلقى الأمير! و اللّه لو كان نظيرك لما جاز أن تخاطبه بمثل هذا! فقلت: صدقت، فكذلك قلت، إنني لم أمدحه بعد، و لكنني سأمدحه مدحا يشبه مثله. قال: فافعل، و أنزلني عنده/ و دخل إلى الحسن فأخبره بخبري و عجبه من جودة البيت الأخير فأعجبه، فأمر بإدخالي إليه بغير مدح، فأدخلت إليه. فأمرني أن أنشد هذا الشعر، فاستعفيته فلم يعفني، و قال: قد قنعنا منك بهذا القدر إذا لم تدخلنا في جملة من ذممت، و أرضيناك بالمكافأة الجميلة. فأنشدته إيّاه؛ فضحك و قال: ويحك! ما لك و للناس تعمّهم بالهجاء؟ حسبك الآن من هذا النمط و أبق عليهم. فقلت: و قد وهبتهم للأمير. قال: قد قبلت، و أنا أطالبك بالوفاء مطالبة من أهديت إليه هدية فقبلها و أثاب عليها. ثم وصلني فأجزل و كساني. فقلت في ذلك و أنشدته:
وهبت القوم للحسن بن سهل
فعوّضني الجزيل من الثّواب
و قال دع الهجاء و قل جميلا
فإنّ القصد أقرب للثواب [٢]
فقلت له: برئت إليك منهم
فليتهم بمنقطع التّراب [٣]
و لو لا نعمة الحسن بن سهل
عليّ لسمتهم سوء العذاب [٤]
بشعر يعجب الشعراء منه
يشبّه بالهجاء و بالعتاب
أكيدهم مكايدة الأعادي
و أختلهم مخاتلة الذّئاب [٥]
بلوت خيارهم فبلوت قوما
كهولهم أخسّ من الشّباب
/ و ما مسخوا كلابا غير أنّي
رأيت القوم أشباه الكلاب
قال: فضحك و قال: ويحك! الساعة ابتدأت بهجائهم و ما أفلتوا منك بعد. فقلت: هذه بغية طفحت على قلبي، و أنا كافّ عنهم ما أبقى اللّه الأمير.
شعره في صديق تغيّر عليه
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني عليّ بن الحسن الشّيبانيّ قال:
كان لمحمد بن حازم الباهليّ صديق على طول الأيام، فنال مرتبة من السّلطان و علا قدره، فجفا محمّدا و تغيّر له؛ فقال في ذلك محمّد بن حازم:
وصل الملوك إلى التّعالي
و وفا الملوك من المحال
[١] في الأصول «جهدت» و هو تصحيف. و فيها أيضا «حليم» و هو تصحيف.
[٢] القصد: استقامة الطريق.
[٣] بمنقطع التراب: أي بالمكان النائي الموحش الّذي انقطع وطء ترابه و اجتيازه، أو القبر.
[٤] في الأصول «سوم العذاب» تحريف.
[٥] ختله كضرب و نصر: خدعه.